محمد بن جرير الطبري

206

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

الحسنة في الدنيا ، والحسنة في الآخرة ، وأن يقيهم عذاب النار . وقد تجمع " الحسنةُ " من الله عز وجل العافيةَ في الجسم والمعاش والرزق وغير ذلك ، والعلم والعبادة . وأما في الآخرة ، فلا شك أنها الجَّنة ، لأن من لم يَنلها يومئذ فقد حُرم جميع الحسنات ، وفارق جميع مَعاني العافية . وإنما قلنا إن ذلك أولى التأويلات بالآية ، لأن الله عز وجل لم يخصص بقوله - مخبرًا عن قائل ذلك - من معاني " الحسنة " شيئًا ، ولا نصب على خُصوصه دلالة دالَّةً على أن المراد من ذلك بعض دون بعض ، فالواجب من القول فيه ما قلنا : من أنه لا يجوز أن يُخَصّ من معاني ذلك شيء ، وأن يحكم له بعمومه على ما عَمَّه الله . * * * وأما قوله : " وقنا عذاب النار " ، فإنه يعني بذلك : اصرف عنا عَذاب النار . * * * ويقال منه : " وقيته كذا أقيه وِقاية وَوَقاية ووِقاء " ، ممدودًا ، وربما قالوا : " وقاك الله وَقْيًا " ، إذا دفعت عنه أذى أو مكروهًا . * * * القول في تأويل قوله تعالى : { أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ( 202 ) } قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : " أولئك " الذين يقولون بعد قضاء مناسكهم : " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وَقِنا عذاب النار " ، رغبةً منهم إلى الله جل ثناؤه فيما عنده ، وعلمًا منهم بأن الخيرَ كله من عنده ، وأن الفضل بيده يؤتيه من يَشاء . فأعلم جل ثناؤه أنّ لهم نصيبًا وحظًّا من حجِّهم ومناسكهم ، وثوابًا جزيلا على عملهم الذي كسبوه ، وبَاشروا معاناته بأموالهم وأنفسهم ،