محمد بن جرير الطبري

207

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

خاصًّا ذلك لهم دون الفريق الآخر ، الذين عانوا ما عانوا من نَصَب أعمالهم وتعبها ، وتكلَّفوا ما تكلفوا من أسفارهم ، بغير رغبةٍ منهم فيما عند رَبهم من الأجر والثواب ، ولكن رجاء خسيس من عَرض الدنيا ، وابتغاء عَاجل حُطامها . كما : - 3884 - حدثنا بشر ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة في قوله : " فمن الناسَ من يقول رَبنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خَلاق " ، قال : فهذا عبد نوى الدنيا ، لها عمل ولها نَصِب ، " ومنهم من يقول رَبنا آتنا في الدنيا حَسنة وفي الآخرة حَسنة وقنا عذابَ النار . أولئك لَهم نصيب مما كسبوا " ، أي حظٌّ من أعمالهم . 3885 - وحدثني يونس ، قال أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في : " فمن الناس مَن يَقول رَبنا آتنا في الدنيا ومَاله في الآخرة من خَلاق " ، إنما حَجُّوا للدنيا والمسألة ، لا يريدون الآخرة ولا يؤمنون بها ، " ومنهم مَن يقول رَبنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حَسنةً وقنا عذاب النار " ، قال : فهؤلاء النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون = " أولئك لهم نصيبٌ مما كسبوا والله سريع الحساب " ، لهؤلاء الأجرُ بما عملوا في الدنيا . * * * وأما قوله : " والله سريع الحساب " ، فإنه يعني جل ثناؤه : أنه محيط بعمل الفريقين كليهما اللذين من مسألة أحدهما : " رَبنا آتنا في الدنيا " ، ومن مسألة الآخر : " ربنا آتنا في الدنيا حَسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " ، فَمُحْصٍ له بأسرع الحساب ، ( 1 ) ثم إنه مجازٍ كلا الفريقين على عمله . وإنما وصف جل ثناؤه نفسه بسرعة الحساب ، لأنه جل ذكره يُحصى ما يُحصى من أعمال عباده بغير عَقد أصابع ، ولا فكرٍ ولا رَوية ، فِعلَ العَجَزة الضَّعَفة من الخلق ، ولكنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، ولا يَعزب عنه مثقال ذرة فيهما ، ثم هو مُجازٍ عبادَه على كل ذلك . فلذلك امتدح

--> ( 1 ) قوله : " فمحص " عطف على قوله : " أنه محيط . . . "