محمد بن جرير الطبري

183

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وأما قول عبد الرحمن بن الأسود : " لم أجد أحدا يخبرني عن المشعر الحرام " فلأنه يحتمل أن يكون أراد : لم أجد أحدا يخبرني عن حد أوله ومنتهى آخره على حقه وصدقه . لأن حدود ذلك على صحتها حتى لا يكون فيها زيادة ولا نقصان ، لا يحيط بها إلا القليل من أهل المعرفة بها . غير أن ذلك وإن لم يقف على حد أوله ومنتهى آخره وقوفا لا زيادة فيه ولا نقصان إلا من ذكرت ، فموضع الحاجة للوقوف لا خفاء به على أحد من سكان تلك الناحية وكثير من غيرهم . وكذلك سائر مشاعر الحج ، والأماكن التي فرض الله عز وجل على عباده أن ينسكوا عندها كعرفات ومنى والحرم . * * * القول في تأويل قوله تعالى : { وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ( 198 ) } قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : واذكروا الله أيها المؤمنون عند المشعر الحرام = بالثناء عليه ، والشكر له على أياديه عندكم ، وليكن ذكركم إياه بالخضوع لأمره ، والطاعة له والشكر على ما أنعم عليكم من التوفيق ، لما وفقكم له من سنن إبراهيم خليله بعد الذي كنتم فيه من الشرك والحيرة والعمى عن طريق الحق وبعد الضلالة = كذكره إياكم بالهدى ، حتى استنقذكم من النار به بعد أن كنتم على شفا حفرة منها ، فنجاكم منها . وذلك هو معنى قوله : " كما هداكم " . * * * وأما قوله : " وإن كنتم من قبله لمن الضالين " ، فإن من أهل العربية من يوجه تأويل " إن " إلى تأويل " ما " ، وتأويل اللام التي في " لمن " إلى " إلا " . ( 1 )

--> ( 1 ) هذا توجيه الكوفيين انظر المعنى لابن هشام 1 : 191 وغيره .