محمد بن جرير الطبري
171
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
معرفة ، وهل هي اسم لبقعة واحدة أم هي لجماعة بقاع ؟ فقال بعض نحويي البصريين : هي اسم كان لجماعة مثل " مسلمات ، ومؤمنات " ، سميت به بقعة واحدة ، فصرف لما سميت به البقعة الواحدة ، إذ كان مصروفا قبل أن تسمى به البقعة ، تركا منهم له على أصله . لأن " التاء " فيه صارت بمنزلة " الياء والواو " في " مسلمين ومسلمون " ، لأنه تذكيره ، وصار التنوين بمنزلة " النون " . فلما سمي به ترك على حاله ، كما يترك " المسلمون " إذا سمي به على حاله . ( 1 ) قال : ومن العرب من لا يصرفه إذا سمي به ، ويشبه " التاء " بهاء التأنيث ، وذلك قبيح ضعيف ، واستشهدوا بقول الشاعر : ( 2 ) تنورتها من أذرعات وأهلها . . . بيثرب أدنى دارها نظر عالي ( 3 ) ومنهم من لا ينون " أدرعات " وكذلك : " عانات " ، وهو مكان . وقال بعض نحويي الكوفيين : إنما انصرفت " عرفات " ، لأنهن على جماع مؤنث " بالتاء " . قال : وكذلك ما كان من جماع مؤنث " بالتاء " ، ثم سميت به رجلا أو مكانا أو أرضا أو امرأة ، انصرفت . قال : ولا تكاد العرب تسمي شيئا من الجماع إلا جماعا ، ثم تجعله بعد ذلك واحدا .
--> ( 1 ) هو قول الأخفش ( اللسان : عرف ) ومعجم البلدان ( عرفات ) وانظر سيبويه 2 : 17 - 18 . ( 2 ) هو امرؤ القيس بن حجر . ( 3 ) ديوانه : 140 ، وسيبويه 2 : 18 والخزانة 1 : 26 وهو من قصيدته الرائعة المشهورة والضمير في قوله : " تنورتها " للمرأة التي يذكرها ( انظر طبقات فحول الشعراء : 68 تعليق : 3 ) . وتنورالنار أبصرها من بعيد جعل المرأة تضيء له فيراها كالنار المشبوبة . وأذرعات : بلد بالشام . ويثرب : مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان هذا اسمها في الجاهلية . يقول : لاح له نورها في الظلماء ، وهو بالشام وأهلها بالمدينة . ثم يقول : أقرب ما يرى منها لا يرى إلا من مكان عال في جو السماء . يصف بعد ما بينه وبينها ، ومع ذلك فقد لاحت له في الليل من هذا المكان البعيد ، وأتم المعنى في البيت لتالي : نظرت إليها والنجوم كأنها مصابيح رهبان تشب لقفال