محمد بن جرير الطبري
45
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
القول في تأويل قوله تعالى : { لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا } ( 1 ) قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بذلك : لا تحمل نفس من الأمور إلا ما لا يضيق عليها ، ولا يتعذر عليها وجوده إذا أرادت . وإنما عنى الله تعالى ذكره بذلك : لا يوجب الله على الرجال من نفقة من أرضع أولادهم من نسائهم البائنات منهم ، إلا ما أطاقوه ووجدوا إليه السبيل ، كما قال تعالى ذكره : ( لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ) [ سورة الطلاق : 7 ] ، كما : - 4973 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا مهران = وحدثني علي قال ، حدثنا زيد = جميعا ، عن سفيان : " لا تكلف نفس إلا وسعها " ، إلا ما أطاقت . ( 2 ) * * * " والوسع " " الفعل " من قول القائل : " وسعني هذا الأمر فهو يسعني سعة " - ويقال : " هذا الذي أعطيتك وسعي " ، أي : ما يتسع لي أن أعطيك ، فلا يضيق علي إعطاؤكه = و " أعطيتك من جهدي " ، إذا أعطيته ما يجهدك فيضيق عليك إعطاؤه . * * * فمعنى قوله : " لا تكلف نفس إلا وسعها " ، هو ما وصفت : من أنها لا تكلف إلا ما يتسع لها بذل ما كلفت بذله ، فلا يضيق عليها ولا يجهدها = لا ما ظنه جهلة أهل القدر من أن معناه : لا تكلف نفس إلا ما قد أعطيت عليه القدرة من الطاعات . لأن ذلك لو كان كما زعمت ، لكان قوله تعالى ذكره : ( انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا ) [ سورة الإسراء : 48 وسورة الفرقان : 9 ] ، = إذا كان دالا على أنهم غير مستطيعي السبيل إلى ما كلفوه = واجبا أن يكون القوم في حال واحدة ، قد أعطوا الاستطاعة على
--> ( 1 ) في المخطوطة : " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " ، عجل الناسخ فأخطأ التلاوة . ( 2 ) الأثر : 4973 - انظر إسناد الأثرين السالفين : 4955 ، 4971 .