محمد بن جرير الطبري
46
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
ما منعوها عليه . وذلك من قائله إن قاله ، إحالة في كلامه ، ودعوى باطل لا يخيل بطوله . ( 1 ) وإذ كان بينا فساد هذا القول ، فمعلوم أن الذي أخبر تعالى ذكره أنه كلف النفوس من وسعها ، غير الذي أخبر أنه كلفها مما لا تستطيع إليه السبيل . * * * القول في تأويل قوله تعالى : { لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ } قال أبو جعفر : اختلفت القراءة في قراءة ذلك . فقرأه عامة قراءة أهل الحجاز والكوفة والشام : " لا تضار والدة بولدها " بفتح " الراء " ، بتأويل : لا تضارَرْ ( 2 ) = على وجه النهي ، وموضعه إذا قرئ كذلك - جزم ، غير أنه حرك ، إذ ترك التضعيف بأخف الحركات ، وهو الفتح . ولو حرك إلى الكسر كان جائزا ، اتباعا لحركة لام الفعل حركة عينه . وإن شئت فلأن الجزم إذا حرك حرك إلى الكسر . ( 3 ) * * *
--> ( 1 ) قوله : " دعوى باطل " هي هنا بالإضافة ، لا صفة لدعوى . ويقال في غير هذا : " دعوى باطل وباطلة " على الوصف . و " البطول " مصدر " بطل " كما أسلفنا في الجزء 4 : 523 ، تعليق : 3 و " أخال الشيء يخيل " : اشتبه ، يقال : " هذا الأمر لا يخيل على أحد " أي : لا يشكل . و " هو شيء مخيل " ، أي : مشكل . ( 2 ) في المخطوطة : " لا تضارن " بالنون في آخره ، وهو خطأ . ( 3 ) هكذا جاءت هذه الفقرة في المخطوطة والمطبوعة . وهي فاسدة كلها بلا شك ، ومناقضة لما سيأتي في كلام الطبري في ص : 51 إلى ص : 52 ولست أرتاب في أن الكلام قد سقط منه شيء ، تخطاه ناسخ قديم ، فاضطرب ما أراد الطبري أن يقوله ، ثم ما قاله بعد ، اضطرابا شديدا . والذي استظهرته من قراءة كلامه من أول تفسير الآية إلى آخرها في ص : 54 ، يوجب أن يكون سياق كلامه هنا هكذا : " اختلفت القَرَأَة في قراءة ذلك . فقرأه عامة قراءة أهل الحجاز والكوفة والشام : " لا تضار والدة بولدها " ، بفتح " الراء " ، على ما لم يسم فاعله ، بتأويل : لا تضارر ، على وجه النهي . وموضعه إذا قرئ كذلك جزم ، غير أنه حرك - إذ ترك التضعيف بحركة الراء الأولى . وزعم بعض من قرأه كذلك ، أن قراءة من قرأ : " لا تضار " بفتح " الراء " على ما سمي فاعله ، بتأويل : لا تضارر ، على وجه النهي . وموضعه إذا قرئ كذلك جزم ، غير أنه حرك - إذ ترك التضعيف - بأخف الحركات ، وهو الفتح . ولو حرك إلى الكسر كان جائزا ، اتباعا لحركة لام الفعل حركة عينه . وإن شئت ، فلأن الجزم إذا حرك ، حرك إلى الكسر . وهذا خطأ في التأويل " . ولعل بعض النساخ القدماء ، سقط من نسخه شيء ثم جاء آخر ، فلم يستطع أن يفهم ما كتبه ، ولا أن يعرف موضع السقط فيه ، فتصرف في كتابته على هذا الوجه الذي ثبت في مخطوطتنا وفي جميع المطبوع . وهو خطأ لا ريب فيه . وتناقض ظاهر ، لا يقع في مثله أبو جعفر ، فضلا عما فيه من الاختلال الشديد . وسأبين في التعليقات التالية ما يربط الكلام الآتي بهذه الجملة التي استظهرتها .