محمد بن جرير الطبري

41

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

فإن قال لنا قائل : فما معنى قوله - إن كان الأمر على ما وصفت - : " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا " ، وقد ذكرت آنفا أنه غير جائز أن يكون ما جاوز حد الله تعالى ذكره ، نظير ما دون حده في الحكم ؟ وقد قلت : إن الحمل والفصال قد يجاوزان ثلاثين شهرا ؟ قيل : إن الله تعالى ذكره لم يجعل قوله : " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا " حدا تعبد عباده بأن لا يجاوزه ، كما جعل قوله : " والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة " ، حدا لرضاع المولود الثابت الرضاع ، ( 1 ) وتعبد العباد بحمل والديه عند اختلافهما فيه ، وإرادة أحدهما الضرار به . وذلك أن الأمر من الله تعالى ذكره إنما يكون فيما يكون للعباد السبيل إلى طاعته بفعله والمعصية بتركه . ( 2 ) فأما ما لم يكن لهم إلى فعله ولا إلى تركه سبيل ، فذلك مما لا يجوز الأمر به ولا النهي عنه ولا التعبد به . فإذ كان ذلك كذلك ، وكان الحمل مما لا سبيل للنساء إلى تقصير مدته ولا إلى إطالتها ، فيضعنه متى شئن ، ويتركن وضعه إذا شئن = كان معلوما أن قوله : " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا " ، إنما هو خبر من الله تعالى ذكره عن أن من خلقه من حملته وولدته وفصلته في ثلاثين شهرا = لا أمر بأن لا يتجاوز في مدة حمله وفصاله ثلاثون شهرا ، لما وصفنا . وكذلك قال ربنا تعالى ذكره في كتابه : ( وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا ) ( 3 ) [ سورة الأحقاف : 15 ] .

--> ( 1 ) في المطبوعة : " لرضاع المولود التام الرضاع " ، وهو أيضًا كلام بلا معنى مفهوم ، غيروا ما في المخطوطة كما أثبتناه ، ظنا منهم بأنه هو غير مفهوم ! ! وعنى بقوله : " الثابت الرضاع " ، أي الذي ثبت له أنه " يرضع " ، كما سيتبين من سياق كلامه بعد . ( 2 ) أي : وإلى المعصية بتركه . ( 3 ) هنا آخر التقسيم القديم الذي نقلت عنه نسختنا . ونص ما بعده : " وصلى الله على محمد النبي وآله وصحبه وسلم كثيرا "