محمد بن جرير الطبري

529

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

قال أبو جعفر : وأولى التأويلين بالآية ، التأويلُ الذي رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " الخيط الأبيض " بياض النهار ، " والخيط الأسود " سوادُ الليل . وهو المعروف في كلام العرب ، قال أبو دُؤاد الإياديّ : فَلَمَّا أضَاءت لَنَا سُدْفَةٌ . . . وَلاحَ مِنَ الصُّبْحِ خَيْطٌ أَنَارَا ( 1 ) * * * وأما الأخبارُ التي رويتْ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه شرب أو تسحَّر ، ثم خرج إلى الصلاة ، فإنه غير دافع صحةَ ما قلنا في ذلك ؛ لأنه غير مستنكر أن يكون صلى الله عليه وسلم شَرب قبل الفجر ، ثم خرج إلى الصلاة ، إذ كانت الصلاةُ - صلاة الفجر - هي على عهده كانت تُصلى بعد ما يطلع الفجر ويتبيَّن طلوعه ويؤذَّن لها قبل طلوعه . وأما الخبر الذي رُوي عن حذيفة : " أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يتسحر وأنا أرى مَواقعَ النَّبل " ، فإنه قد استُثبتَ فيه فقيل له : أبعد الصبح ؟ فلم يجب

--> ( 1 ) الأصمعيات : 28 من أبيات . يصف فرسا خرج عليه للصيد ، واللسان ( خيط ) . وفي الأصمعيات : " خير أنارا " ولا معنى لها . والسدفة : ظلمة الليل في لغة نجد ، والضوء في لغة قيس ، وهي أيضًا : اختلاط الضوء والظلمة جميعا ، كوقت ما بين صلاة الفجر إلى أولى الإسفار . قال عمارة : ظلمة فيها ضوء من أول الليل وآخره ، ما بين الظلمة إلى الشفق ، وما بين الفجر إلى الصلاة . وأراد أبو دؤاد اختلاط الظلمة والضوء . ولاح : بدا وظهر من بعيد . والخيط : اللون هنا يكون ممتدا كالخيط .