محمد بن جرير الطبري
380
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
عن الحسن : في رجل قُتل فأخذت منه الدية ، ثم إن وليَّه قَتل به القاتل . قال الحسن : تؤخذ منه الدية التي أخذ ، ولا يُقتل به . ( 1 ) * * * قال أبو جعفر : وأولى التأويلين بقوله : " فمن اعتدى بعد ذلك فله عذابٌ أليم " ، تأويلُ من قال : فمن اعتدى بعد أخذه الدية ، فَقتلَ قاتلَ وليه ، فله عذاب أليم في عاجل الدنيا ، وهو القتل . لأن الله تعالى جعل لكل وليِّ قتيلٍ قُتل ظلمًا ، سلطانًا على قاتل وليه ، فقال تعالى ذكره ( وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ ) [ سورة الإسراء : 33 ] . فإذ كان ذلك كذلك : وكان الجميع من أهل العلم مجمعين على أن من قَتل قاتلَ وليه بعد عفوه عنه وأخذِه منه دية قتيله ، أنه بقتله إياه له ظالم في قتله - كان بَيِّنًا أن لا يولِّي من قَتله ظُلمًا كذلك ، السلطانَ عليه في القصاص والعفو وأخذ الدية ، أيّ ذلك شاء . ( 2 ) وَإذا كان ذلك كذلك ، كان معلومًا أن ذلك عذابُه ، لأن من أقيم عليه حدُّه في الدنيا ، كان ذلك عقوبته من ذنبه ، ولم يكن به متَّبَعًا في الآخرة ، على ما قد ثبت به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . ( 3 )
--> ( 1 ) الخبر : 2616 - بشر بن معاذ ، شيخ الطبري ، مضى في : 352 . ونزيد هنا أنه ثقة معروف ، مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 368 ، وذكر أن أباه كتب عنه ، وأنه سئل عنه ، فقال : " صالح الحديث صدوق " . وهو يروي عن قدماء الشيوخ ، مثل " حماد بن زيد " المتوفى سنة 179 ، وعبد الواحد بن زياد ، شيخه هنا ، المتوفى تلك السنة . عبد الواحد بن زياد العبدي البصري : أحد الأعلام الثقات . مترجم في التهذيب ، والصغير للبخاري : 202 ، وذكر أنه مات سنة 179 ، وابن أبي حاتم 3 / 1 / 20 - 21 ، وابن سعد 7 / 2 / 44 . يونس : هو ابن عبيد بن دينار العبدي ، وهو ثقة ، من أوثق أصحاب الحسن وأثبتهم . مترجم في التهذيب . والكبير 4 / 2 / 402 ، والصغير : 160 ، وابن سعد 7 / 2 / 23 - 24 ، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 242 . ( 2 ) في هذه العبارة غموض ، وأخشى أن يكون قد سقط من الكلام شيء ، ولكن المعنى العام ظاهر . ( 3 ) كالذي رواه البخاري من حديث عبادة بن الصامت قال : " بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط فقال : أبايعكم على أن لا تشركوا بالله شيئًا ، ولا تسرقوا ، ولا تقتلوا أولادكم ، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ، ولا تعصوني في معروف . فمن وفى منكم فأجره على الله ، ومن أصاب من ذلك شيئًا فأخذ به في الدنيا ، فهو كفارة له وطهور ، ومن ستره الله فذلك إلى الله ، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له " ( البخاري : كتاب الحدود 8 : 162 ) .