محمد بن جرير الطبري

372

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

ما ألزمه الله وأوجبه عليه ، من غير أن يبخسه حقًّا له قبله بسبب ذلك ، أو يحوجه إلى اقتضاءٍ ومطالبة . * * * فإن قال لنا قائل : وكيف قيل : " فاتباعٌ بالمعروف وأداء إليه بإحسان " ، ولم يَقل فاتباعًا بالمعروف وأداءً إليه بإحسان ، كما قال : ( فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ ) [ سورة محمد : 4 ] ؟ قيل : لو كان التنزيل جاء بالنصب ، وكان : فاتباعًا بالمعروف وأداءً إليه بإحسان - كان جائزًا في العربية صحيحًا ، على وجْه الأمر ، كما يقال : " ضربًا ضَربًا = وإذا لقيت فلانًا فتبجيلا وتعظيمًا " ، غير أنه جاءَ رفعًا ، وهو أفصح في كلام العرب من نصبه . وكذلك ذلك في كل ما كان نظيرًا له ، مما يكون فرضًا عامًّا - فيمن قد فعل ، وفيمن لم يفعل إذا فعل - لا ندبًا وحثًّا . ورفعه على معنى : فمن عفي له من أخيه شيء ، فالأمر فيه : اتباعٌ بالمعروف وأداءٌ إليه بإحسان ، أو فالقضاء والحكم فيه : اتباع بالمعروف . وقد قال بعض أهل العربية : رفع ذلك على معنى : فمن عفي له من أخيه شيء ، فعليه اتباعٌ بالمعروف . وهذا مذهب ، والأول الذي قلناه هو وجه الكلام . وكذلك كلّ ما كان من نظائر ذلك في القرآن ، فإن رفعَه على الوجه الذي قُلناه . وذلك مثل قوله : ( وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ) [ سورة المائدة : 95 ] ، وقوله : ( فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ) [ سورة البقرة : 229 ] . وأما قوله : ( فَضَرْبَ الرِّقَابِ ) ، فإن الصواب فيه النصب ، وهو وجه الكلام ، لأنه على وجه الحثّ من الله تعالى ذكره عبادَه على القتل عند لقاء العدو ، كما يقال : " إذا لقيتم العدو فتكبيرًا وتهليلا " ، على وجه الحضّ على التكبير ، لا على وجه الإيجاب والإلزام . ( 1 ) * * *

--> ( 1 ) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 109 - 110 .