محمد بن جرير الطبري

363

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وذلك أنهم كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة ، ولكن يقتلون الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة ، فأنزل الله تعالى : " النفس بالنفس " ، فجعل الأحرار في القصاص سَواءً فيما بينهم ، في العمد رجالهم ونساؤُهم ، في النفس وما دون النفس . وجعل العبيد مستوين فيما بينهم في العمد ، في النفس وما دون النفس ، رجالهم ونساؤُهم . * * * قال أبو جعفر : ( 1 ) فإذ كان مُختلَفًا الاختلافُ الذي وصفتُ ، فيما نزلت فيه هذه الآية ، فالواجب علينا استعمالها ، فيما دلت عليه من الحُكم ، بالخبر القاطع العذرَ . وقد تظاهرت الأخبار عن رَسول الله صلى الله عليه وسلم بالنقل العامِّ : أن نفس الرجل الحر قَوَدٌ قصَاصًا بنفس المرأة الحرة . فإذ كان ذلك كذلك ، وكانت الأمَّة مختلفة في التراجع بفضل مَا بين دية الرجل والمرأة - على ما قد بَيَّنا من قول عليّ وغيره - كان واضحًا ( 2 ) فسادُ قول من قال بالقصاص في ذلك . والتراجع بفضل ما بين الديتين ، بإجماع جميع أهل الإسلام : على أن حرامًا على الرجل أن يتلف من جَسده عضوًا بعوض يأخذه على إتلافه ، فدعْ جميعَه = وعلى أن حرامًا على غيره إتلاف شيء منه - مثل الذي حُرِّم من ذلك - بعوَض يُعطيه عليه . ( 3 ) فالواجب أن تكون نفسُ الرجل الحر بنفس المرأة الحرة قَوَدًا . وإذ كان ذلك كذلك ، كان بيّنًا بذلك أنه لم يرد بقوله تعالى ذكره : " الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى " أن لا يقادَ العبدُ بالحرّ ، وأن لا تُقتل الأنثى بالذكر ولا الذكر بالأنثى . وإذْ كان ذلك كذلك ، كان بيِّنًا أن الآية معنيٌّ بها أحد المعنيين الآخرين . إمّا قولنا : من أنْ لا يُتَعدَّى بالقصاص إلى غير القاتل والجاني ، فيؤخذ بالأنثى الذكر وبالعبد الحر . وإمّا القول الآخر : وهو أن تكون

--> ( 1 ) قوله : " فإذا كان مختلف " هو تمام قوله في رد السؤال في ص : 358 س : 11 . " قيل : اختلف أهل التأويل في ذلك . . " . ( 2 ) في المطبوعة : " وكان واضحًا " ، والصواب حذف الواو . ( 3 ) سياق العبارة : " كان واضحًا فساد من قال بالقصاص . . . بإجماع جميع أهل الإسلام على أن حرامًا على الرجل . . . وعلى أن حرامًا على غيره . . . " .