محمد بن جرير الطبري
364
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
الآية نزلت في قوم بأعيانهم خاصة أمِرَ النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل ديات قتلاهم قصَاصًا بعضها من بعض ، كما قاله السدي ومن ذكرنا قوله . وقد أجمع الجميع - لا خلاف بينهم - على أن المقاصَّة في الحقوق غير واجبة ، وأجمعوا على أن الله لم يقض في ذلك قضاء ثم نَسخه . وإذ كان كذلك ، وكان قوله تعالى ذكره : " كُتب عليكم القصَاص " ينبئ عن أنه فَرضٌ ، كان معلومًا أن القول خلافُ ما قاله قائل هذه المقالة . لأن ما كان فرضًا على أهل الحقوق أن يفعلوه ، فلا خيارَ لهم فيه . والجميع مجمعون على أنّ لأهل الحقوق الخيارَ في مقاصَّتهم حقوقهم بعضَها من بعض . فإذْ تبيَّنَ فسادُ هذا الوجه الذي ذكرنا ، فالصحيح من القول في ذلك هو ما قلنا . * * * فإن قال قائل : = إذْ ذكرتَ أن معنى قوله : " كتب عليكم القصاص " - بمعنى : فُرض عليكم القصاص = : لا يعرف ( 1 ) لقول القائل : " كتب " معنًى إلا معنى : خط ذلك ، فرسم خطًّا وكتابًا ، فما برهانك على أن معنى قوله : " كتب " فُرِض ؟ قيل : إن ذلك في كلام العرب موجودٌ ، وفي أشعارهم مستفيض ، ومنه قول الشاعر : ( 2 ) كُتِبَ القَتْلُ وَالقِتَالُ عَلَيْنَا . . . وَعَلَى المُحْصَنَاتِ جَرُّ الذُّيُولِ ( 3 )
--> ( 1 ) في المطبوعة : " ولا يعرف . . . " والصواب حذف الواو . والسياق : فإن قال قائل . . - لا يعرف " وما بينهما فصل . والذي ذكره في معنى " كتب " قد سلف في ص : 357 . ( 2 ) هو عمر بن أبي ربيعة ، أو عبد الله بن الزبير الأسدي . ( 3 ) ديوان عمر : 421 ، والبيان والتبيين 2 : 236 ، والكامل 2 : 154 ، وتاريخ الطبري 7 : 158 ، وأنساب الأشراف 5 : 264 ، والأغاني 9 : 229 . ولهذا الشعر خبر . وذلك أن مصعب بن الزبير ، لما خرج إلى المختار بن أبي عبيد الثقفي المتنبئ فظفر به وقتله ، كان فيمن أخذ امرأته عمرة بنت النعمان بن بشير ، فلما سألها عنه قالت : رحمة الله عليه ، إن كان عبدًا من عباد الله الصالحين : فكتب مصعب إلى أخيه عبد الله إنها تزعم أنه نبي ! فأمر بقتلها . وقتلها الذي تولى قتلها قتلا فظيعًا ، فاستنكره الناس ، وقالوا فيه ، وممن عمر : إِنَّ مِنْ أَعْجَبِ العَجَائِبِ عِنْدي . . . قَتْلُ بيضاءَ حُرَّةٍ عُطْبُولِ قُتِلَتْ هكذا عَلَى غَيْرِ جُرْم . . . إِنَّ لِلهِ دَرَّهَا من قَتِيلِ كُتِبَ القتل . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .