محمد بن جرير الطبري

333

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وقال آخرون : هو تعجُّب . يعني : فما أشد جراءتهم على النار بعَملهم أعمال أهل النار ! * ذكر من قال ذلك : 2511 - حدثنا سفيان بن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن ابن عيينة ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " فما أصبرهم على النار " قال ، ما أعملهم بأعمال أهل النار ! وهو قول الحسن وقتادة ، وقد ذكرناه قبل . ( 1 ) * * * فمن قال : هو تعجُّب - وجَّه تأويلَ الكلام إلى : " أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذابَ بالمغفرة " ، فما أشد جراءتهم - بفعلهم ما فعلوا من ذلك - على ما يوجب لهم النار ! كما قال تعالى ذكره : ( قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ) [ سورة عبس : 17 ] ، تعجبًا من كفره بالذي خَلقه وسَوَّى خلقه . * * * فأما الذين وجهوا تأويله إلى الاستفهام ، فمعناه : هؤلاء الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة ، فما أصبرهم على النار - والنار لا صبر عليها لأحد - حتى استبدلوها بمغفرة الله فاعتاضوها منها بدلا ؟ * * * قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال : ما أجرأهم على النار ، بمعنى : ما أجرأهم على عَذاب النار وأعملهم بأعمال أهلها . وذلك أنه مسموع من العرب : " ما أصبرَ فلانًا على الله " ، بمعنى : ما أجرأ فلانًا على الله ! ( 2 ) وإنما يعجب الله خَلقه بإظهار الخبر عن القوم الذين يكتمون ما أنزل الله تبارك وتعالى من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونبوَّته ، واشترائهم بكتمان ذلك ثَمنًا قليلا

--> ( 1 ) انظر ما سلف رقم : 2501 ، 2502 . ( 2 ) انظر خبر ذلك في معاني القرآن للفراء 1 : 103 .