محمد بن جرير الطبري
334
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
من السحت والرشى التي أعطوها - على وَجه التعجب من تقدمهم على ذلك . ( 1 ) مع علمهم بأنّ ذلك موجبٌ لهم سَخط الله وأليم عقابه . وإنما معنى ذلك : فما أجرأهم علي عذاب النار ! ولكن اجتزئ بذكر " النار " من ذكر " عذابها " ، كما يقال : " ما أشبه سخاءك بحاتم " ، بمعنى : ما أشبه سَخاءك بسخاء حاتم ، " وما أشبه شَجاعتك بعنترة " . ( 2 ) * * * القول في تأويل قوله تعالى : { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ( 176 ) } قال أبو جعفر : أما قوله : " ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق " ، فإنه اختلف في المعنيِّ ب " ذلك " . * * * فقال بعضهم : معنيُّ " ذلك " ، فعلُهم هذا الذي يفعلون = من جراءتهم على عذاب النار ، في مخالفتهم أمر الله ، وكتمانهم الناسَ ما أنزل الله في كتابه ، وأمرَهم ببيانه لهم من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأمر دينه = من أجل أن الله تبارك تعالى " نزل الكتاب بالحق " ، وتنزيله الكتاب بالحق هو خبرُه عنهم في قوله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) [ سورة البقرة : 6 - 7 ] فهم - مع ما أخبر الله عنهم من أنهم لا يؤمنون - لا يكون منهم غيرُ اشتراء الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة .
--> ( 1 ) قدم ، وتقدم ، وأقدم ، واستقدم ، كلها بمعنى واحد ، إذا كان جرئيًا فاقتحم . ( 2 ) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 103 ، أيضًا .