محمد بن جرير الطبري
304
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
ذكره لهم : ( مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) [ سورة المائدة : 103 ] فأخبرهم تعالى ذكره في هذه الآية ، ( 1 ) أنّ قيلهم : " إنّ الله حرم هذا ! " من الكذب الذي يأمرهم به الشيطان ، وأنه قد أحلَّه لهم وطيَّبه ، ولم يحرم أكله عليهم ، ولكنهم يقولون على الله ما لا يعلمون حقيقته ، طاعةً منهم للشيطان ، واتباعًا منهم خطواته ، واقتفاء منهم آثارَ أسلافهم الضُّلال وآبائهم الجهال ، الذين كانوا بالله وبما أنزل على رسوله جُهالا وعن الحق ومنهاجه ضُلالا - وإسرافًا منهم ، كما أنزل الله في كتابه على رسوله صلى الله عليه وسلم فقال تعالى ذكره : " وإذا قيلَ لهُم اتبعوا ما أنزل اللهُ قَالوا بَلْ نَتبع ما ألفينا عليه آباءنا " . * * * القول في تأويل قوله تعالى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ ( 170 ) } قال أبو جعفر : وفي هذه الآية وجهان من التأويل . أحدهما : أن تكون " الهاء والميم " من قوله : " وإذا قيلَ لهم " عائدة على " من " في قوله : " ومنَ الناس مَنْ يَتخذُ من دون الله أندادًا " ، فيكون معنى الكلام : ومن الناس مَنْ يَتخذُ من دُون الله أندادًا ، وإذا قيل لهم : اتبعوا ما أنزل الله . قالوا : بل نتبع ما ألفينا عَليه آباءنا . والآخر : أن تكون " الهاء والميم " اللتان في قوله : " وإذا قيل لهم " ، من ذكر " الناس " الذين في قوله : " يا أيها الناسُ كلوا مما في الأرض حَلالا طيبًا " ، فيكون
--> ( 1 ) في المطبوعة ، " وأخبرهم " بالواو ، والصواب الجيد ما أثبت .