محمد بن جرير الطبري

296

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

فإن قال لنا قائل : فكيف يَرَون أعمالهم حَسرات عليهم ، وإنما يتندم المتندم عَلى تَرْك الخيرات وفوتها إياه ؟ وقد علمت أنّ الكفار لم يكن لهم من الأعمال ما يتندّمون على تركهم الازديادَ منه ، فيريهم الله قليلَه ! ( 1 ) بل كانت أعمالهم كلها معاصيَ لله ، ولا حسرةَ عليهم في ذلك ، وإنما الحسرة فيما لم يَعملوا من طاعة الله ؟ قيل : إن أهل التأويل في تأويل ذلك مختلفون ، فنذكر في ذلك ما قالوا ، ثم نخبر بالذي هو أولى بتأويله إن شاء الله . فقال بعضهم : معنى ذلك : كذلك يريهم الله أعمالهم التي فرضها عليهم في الدنيا فضيَّعوها ولم يعملوا بها ، حتى استوجب = ما كان الله أعدَّ لهم ، لو كانوا عملوا بها في حياتهم ، من المساكن والنِّعم = غيرُهمْ بطاعته ربَّه . ( 2 ) فصار ما فاتهم من الثواب - الذي كان الله أعدَّه لهم عنده لو كانوا أطاعوه في الدنيا ، إذ عاينوه ( 3 ) عند دخول النار أو قبل ذلك - أسًى وندامةً وحسرةً عليهم . * ذكر من قال ذلك : 2434 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " كذلك يُريهم الله أعمالهم حَسرات عليهم " ، زعم أنه يرفع لهم الجنة فينظرون إليها وإلى بيوتهم فيها ، لو أنهم أطاعوا الله ، فيقال لهم : تلك مساكنكم لو أطعتم الله ثم تُقسَّم بين المؤمنين ، فيرثونهم . فذلك حين يندمون . 2435 - حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال ، حدثنا سفيان عن سلمة بن كهيل قال ، حدثنا أبو الزعراء ، عن عبد الله - في

--> ( 1 ) قوله : " فيريهم الله قليله " ، يعني به : فيريهم الله أنه قليل ، فيتمنون أن لو كانوا ازدادوا من فعله حتى يكثر . ( 2 ) سياق هذه الجملة : حتى استوجب غيرهم بطاعته ربه ، ما كان الله أعد لهم . . . " فقدم وأخر وفصل ، كعادته . ( 3 ) في المطبوعة : " إذا عاينوه " ، والصواب ما أثبت .