محمد بن جرير الطبري
278
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
ينفع الناس " - وأنزل إليكم الغيثَ من السماء ، فأخصب به جنابكم بعد جُدوبه ، وأمرعه بعد دُثوره ، فَنَعَشكم به بعد قُنوطكم ( 1 ) - ، وذلك هو معنى قوله : " وَمَا أنزل الله من السماء من مَاء فأحيا به الأرض بعد موتها " - وسخَّر لكم الأنعام فيها لكمْ مطاعمُ ومَآكل ، ومنها جمالٌ ومراكبُ ، ومنها أثاث وملابس - وذلك هو معنى قوله : " وبث فيها من كل دابة " - وأرْسل لكم الرياح لواقح لأشجار ثماركم وغذائكم وأقواتكم ، وسيَّر لكم السحاب الذي بَودَقْه حَياتكم وحياة نعمكم ومواشيكم - وذلك هو معنى قوله : " وتصريف الرياح والسحاب المسخَّر بين السماء والأرض " . فأخبرهم أنّ إلههم هو الله الذي أنعمَ عليهم بهذه النعم ، وتفرَّد لهم بها . ثم قال : هل من شُركائكم مَن يفعل مِنْ ذلكم من شيء ، فتشركوه في عبادتكم إياي ، وتجعلوه لي نِدًّا وعِدلا ؟ فإن لم يكن من شُركائكم مَنْ يفعل مِنْ ذلكم مِن شيء ، ففي الذي عَددت عليكم من نعمتي ، وتفردت لكم بأياديّ ، دلالاتٌ لكم إن كنتم تَعقلون مواقعَ الحق والباطل ، والجور والإنصاف . وذلك أنّى لكم بالإحسان إليكم متفرِّد دون غيري ، وأنتم تجعلون لي في عبادتكم إياي أندادًا . فهذا هو معنى الآية . * * * والذين ذُكِّروا بهذه الآية واحتج عليهم بها ، هم القوم الذين وصفتُ صفتهم ، دون المعطِّلة والدُّهْرية ، وإن كان في أصغر ما عدَّ الله في هذه الآية ، من الحجج البالغة ، المَقْنَعُ لجميع الأنام ، تركنا البيان عنه ، كراهة إطالة الكتاب بذكره .
--> ( 1 ) أمرع الأرض : صيرها خصبة بعد الجدب . والدثور : الدروس ، يريد خرابها وانمحاء آثار عمارتها من النبات وغيره . وكان في المطبوعة : " فينعثكم " ، والصواب ما أثبت . ونعشه الله ينعشه : رفعه وتداركه برحمته .