محمد بن جرير الطبري
277
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
" لقوم يعقلون " ، لمن عَقل مَوَاضع الحجج ، وفهم عن الله أدلته على وحدانيته . فأعلم تعالى ذكره عبادَه ، بأنّ الأدلة والحجج إنما وُضعت مُعتبَرًا لذوي العقول والتمييز ، دون غيرهم من الخلق ، إذ كانوا هم المخصوصين بالأمر والنهي ، والمكلفين بالطاعة والعبادة ، ولهم الثواب ، وعليهم العقاب . * * * فإن قال قائل : وكيف احتج على أهل الكفر بقوله : " إنّ في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار " الآية ، في توحيد الله ؟ وقد علمت أنّ أصنافًا من أصناف الكفرة تدفع أن تكون السماوات والأرض وسائر ما ذكر في هذه الآية مخلوقةً ؟ قيل : إنّ إنكار من أنكر ذلك غيرُ دافع أن يكون جميعُ ما ذكرَ تعالى ذكره في هذه الآية ، دليلا على خالقه وصانعه ، وأنّ له مدبرًا لا يشبهه [ شيء ] ، وبارئًا لا مِثْل له . ( 1 ) وذلك وإن كان كذلك ، فإن الله إنما حَاجَّ بذلك قومًا كانوا مُقرِّين بأنّ الله خالقهم ، غير أنهم يُشركون في عبادته عبادة الأصنام والأوثان . ( 2 ) فحاجَّهم تعالى ذكره فقال - إذ أنكروا قوله : " وإلهكم إلهٌ واحد " ، وزعموا أن له شُركاء من الآلهة - : [ إن إلهكم الذي خلق السماوات وأجرى فيها الشمس والقمر لكم بأرزاقكم دائبين في سيرهما . وذلك هو معنى اختلاف الليل والنهار في الشمس والقمر ] ( 3 ) وذلك هو معنى قوله : " والفلك التي تجري في البحر بما
--> ( 1 ) الزيادة بين القوسين لا بد منها هنا . ( 2 ) انظر ما سلف في 1 : 371 ، والرد على من ظن أن العرب كانت غير مقرة بالوحدانية . ( 3 ) هذه الجملة قد سقط منها شيء كثير ، فاختلت واضطربت ، وكأن صوابها ما يأتي : [ إنّ إلهكم الذي خلق لَكم السَّموَات والأرض ، فخلق الأرض وقَدّر لكم فيها أرزاقكم وأقواتكم ، وخلق السَّمَوات وأجرى فيها الشمس والقمر دائبين في سيرهما - وذلك هو معنى : ( واختلاف الليل والنهار ) - وخلق الرياح التي تسوق السفن التي تحملكم فتجريها في البحر لتبتغوا من فضله ] -