محمد بن جرير الطبري

267

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

ثم عرَّفهم تعالى ذكره بالآية التي تتلوها ، موضعَ استدلال ذوي الألباب منهم على حقيقة ما نبَّههم عليه من توحيده وحُججه الواضحة القاطعة عُذرَهم ، فقال تعالى ذكره : أيها المشركون ، إن جهلتم أو شككتم في حقيقة ما أخبرتكم من الخبر : من أنّ إلهكم إله واحد ، دونَ ما تدَّعون ألوهيته من الأنداد والأوثان ، فتدبروا حُججي وفكروا فيها ، فإن من حُججي خَلق السماوات والأرض ، واختلاف الليل والنهار ، والفلكُ التي تجري في البحر بما يَنفعُ الناس ، وما أنزلت من السماء من ماء فأحييت به الأرض بعد موتها ، وما بثثتُ فيها من كل دابة ، والسحاب الذي سَخرته بين السماء والأرض . فإن كان ما تعبدونه من الأوثان والآلهة والأنداد وسائر ما تشركون به ، إذا اجتمع جميعه فتظاهرَ أو انفرد بعضُه دون بعض ، يقدر على أن يخلق نظيرَ شيء من خَلقي الذي سميتُ لكم ، فلكم بعبادتكم ما تعبدون من دوني حينئذ عذرٌ ، وإلا فلا عُذر لكم في اتخاذ إله سواي ، ولا إله لكم ولما تعبدون غَيري . فليتدبر أولو الألباب إيجازَ الله احتجاجَه على جميع أهل الكفر به والملحدين في توحيده ، في هذه الآية وفي التي بعدها ، بأوْجز كلام ، وأبلغ حجة وألطف معنى يشرف بهم على مَعرفة فضْل حكمة الله وبَيانه . * * * القول في المعنى الذي من أجله أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم قوله : { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ } * * * قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله أنزل الله تعالى ذكره هذه الآية على نَبيّه محمد صلى الله عليه وسلم . * * *