محمد بن جرير الطبري
263
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بالصواب عندنا قولُ من قال : عنى الله بذلك جَميعَ الناس ، بمعنى لعنهم إياهم بقولهم : " لعن الله الظالم - أو الظالمين " . فإن كلّ أحد من بني آدم لا يمتنع من قيل ذلك كائنًا من كان ، ( 1 ) ومن أي أهل ملة كان ، فيدخل بذلك في لعنته كلّ كافرٍ كائنًا من كان . وذلك بمعنى ما قاله أبو العالية . لأن الله تعالى ذكره أخبر عمن شَهدهم يوم القيامة أنهم يلعنونهم فقال : ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) [ هود : 18 ] وأما ما قاله قتادة ، من أنه عنى به بعضَ الناس ، فقولٌ ظاهرُ التنزيل بخلافه ، ولا برهان على حقيقته من خبر ولا نظر . فإن كان ظن أن المعنيَّ به المؤمنون ، من أجل أن الكفار لا يَلعنون أنفسهم ولا أولياءهم ، فإن الله تعالى ذكره قد أخبر أنهم يَلعنونهم في الآخرة . ومعلومٌ منهم أنّهم يَلعنون الظَّلمة ، وداخلٌ في الظَّلمة كل كافر ، بظلمه نفسه ، وجحوده نعمةَ ربه ، ومخالفته أمرَه . * * * القول في تأويل قوله تعالى : { خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 162 ) } * * * قال أبو جعفر : إن قال لنا قائل : ما الذي نصب " خالدين فيها " ؟ قيل : نُصب على الحال من " الهاء والميم " اللتين في " عليهم " . وذلك أنّ معنى قوله : " أولئكَ عَليهم لعنة الله " ، أولئك يلعنهم الله والملائكةُ والناس أجمعون خالدين فيها . ولذلك قرأ ذلك : " أولئك عَليهم لعنة الله والملائكةُ والناس أجمعون "
--> ( 1 ) في المطبوعة : " لا يمنع من قيل ذلك " ، والصواب ما أثبت .