محمد بن جرير الطبري
230
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
القول في تأويل قوله تعالى : { فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا } قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " فلا جناح عليه أن يطَّوَّف بهما " ، يقول : فلا حَرَج عليه ولا مَأثم في طَوَافه بهما . * * * فإن قال قائل : وما وجه هذا الكلام ، وقد قلت لنا ، إن قوله : " إنّ الصفا والمروة من شعائر الله " ، وإن كان ظاهرهُ ظاهرَ الخبر ، فإنه في معنى الأمر بالطواف بهما ؟ فكيف يكون أمرًا بالطواف ، ثم يقال : لا جُناح على من حج البيت أو اعتمر في الطواف بهما ؟ وإنما يوضع الجُناح عمن أتى ما عليه بإتيانه الجناحُ والحرجُ ؟ والأمر بالطواف بهما ، والترخيصُ في الطواف بهما ، غيرُ جائز اجتماعهما في حال واحدة ؟ قيل : إنّ ذلك بخلاف ما إليه ذهبتَ . ( 1 ) وإنما معنى ذلك عند أقوام : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لما اعتمر عُمرة القضيَّة ، تخوَّف أقوامٌ كانوا يطوفون بهما في الجاهلية قبل الإسلام لصنمين كانا عليهما تعظيمًا منهم لهما ، فقالوا : وكيف نَطوف بهما ، وقد علمنا أنَّ تَعظيم الأصنام وجميع ما كان يُعبد من ذلك من دون الله ، شركٌ ؟ ففي طوَافنا بهذين الحجرين أحرَجُ ذلك ، ( 2 ) لأن الطواف بهما في الجاهلية إنما كان للصنمين اللذين كانا عليهما ، وقد جاء الله بالإسلام اليومَ ، ولا سبيل إلى تعظيم شيء مع الله بمعنى العبادة له ! فأنزل الله تعالى ذكره في ذلك من أمرهم : " إنّ الصفا والمروة من شعائر الله " ،
--> ( 1 ) في المطبوعة : " إليه ذهب " ، والصواب ما أثبت ، لأن الطبري ساق قول القائل ، على أنه خطاب له إذ قال للطبري : " وقد قلت لنا " . فالصواب أن يصرف الرد عليه خطابًا له كما خاطبه . ( 2 ) في المطبوعة : " أحد ذلك " ، ولا معنى له ، وفيه تحريف لا شك فيه . فإنهم لم يذكروا متعددًا من الآثام حتى يجعلوا له " أحدًا " . وإنما أرادوا : أكبر الإثم والشرك . و " ذلك " ، إشارة إلى الشرك . ولو قرئت أيضًا : " أخوف ذلك " لكاتب صوابًا ، لأنه سيذكر أنهم كانوا يتخوفون الطواف بهما . ويعني : أخوف الشرك .