محمد بن جرير الطبري

19

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

القول في تأويل قوله تعالى : { قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي } قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بذلك : قال إبراهيم - لمّا رفع الله منزلته وكرمه ، فأعلمه ما هو صانع به ، من تصييره إماما في الخيرات لمن في عصره ، ولمن جاء بعده من ذريته وسائر الناس غيرهم ، يهتدى بهديه ويقتدى بأفعاله وأخلاقه - : يا رب ، ومن ذريتي فاجعل أئمة يقتدي بهم ، كالذي جعلتني إماما يؤتم بي ويقتدى بي . مسألة من إبراهيم ربه سأله إياها ، كما : - 1944 - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، قال : قال إبراهيم : " ومن ذريتي " ، يقول : فاجعل من ذريتي من يؤتم به ويقتدى به . * * * وقد زعم بعض الناس أن قول إبراهيم : " ومن ذريتي " ، مسألة منه ربه لعقبه أن يكونوا على عهده ودينه ، كما قال : ( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ ) [ سورة إبراهيم : 35 ] ، فأخبر الله جل ثناؤه أن في عقبه الظالم المخالف له في دينه ، بقوله : " لا ينال عهدي الظالمين " . * * * والظاهر من التنزيل يدل على غير الذي قاله صاحب هذه المقالة . لأن قول إبراهيم صلوات الله عليه : " ومن ذريتي " ، في إثر قول الله جل ثناؤه : " إني جاعلك للناس إماما " . فمعلوم أن الذي سأله إبراهيم لذريته ، لو كان غير الذي أخبر ربه أنه أعطاه إياه ، لكان مبينا . ( 1 ) ولكن المسألة لما كانت مما جرى ذكره ، اكتفى بالذكر الذي قد مضى ، من تكريره وإعادته ، فقال : " ومن ذريتي " ، بمعنى : ومن ذريتي فاجعل مثل الذي جعلتني به ، من الإمامة للناس . * * *

--> ( 1 ) قوله : " لكان مبينا " ، أي لجاء ما سأل إبراهيم ربه مبينا في الآية .