محمد بن جرير الطبري
186
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
قبلةَ النصارى ، ولا النصارى بتابعةٍ قبلة اليهود فمتوجِّهةٌ نحوها ، كما : - 2257 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " وما بعضهم بتاع قبلة بعض " ، يقول : ما اليهود بتابعي قبلة النصارى ، ولا النصارى بتابعي قبلة اليهود . قال : وإنما أنزلت هذه الآية من أجل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حُوِّل إلى الكعبة ، قالت اليهود : إن محمدًا اشتاقَ إلى بلد أبيه ومولده ! ولو ثبت على قبلتنا لكُنا نرجو أن يكون هو صاحبَنا الذي ننتظر ! فأنزل الله عز وجل فيهم : " وإنّ الذين أوتوا الكتابَ ليعلمون أنه الحق من ربهم " إلى قوله : " ليكتمون الحق وهم يعلمون " . ( 1 ) 2258 - حدثنا يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " وما بعضهم بتابع قبلةَ بعض " ، مثل ذلك . * * * وإنما يعني جل ثناؤه بذلك : أن اليهود والنصارى لا تجتمع على قبلة واحدة ، مع إقامة كل حزب منهم على مِلَّتهم . فقال تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : يا محمد ، لا تُشعر نفسك رضَا هؤلاء اليهود والنصارى ، فإنه أمر لا سبيل إليه . لأنهم مع اختلاف مللهم لا سبيل لكَ إلى إرضاء كل حزب منهم . من أجل أنك إن اتبعت قبلةَ اليهود أسخطتَ النصارى ، وإن اتّبعت قبلة النصارى أسخطت اليهود ، فدع ما لا سبيل إليه ، وادعُهم إلى ما لهم السبيل إليه ، من الاجتماع على مِلَّتك الحنيفيّة المسلمة ، وقبلتِك قبلةِ إبراهيم والأنبياء من بعده . * * * القول في تأويل قوله تعالى : { وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ( 145 ) } قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : " ولئن اتبعت أهواءهم " ، ولئن التمست يا محمد رضَا هؤلاء اليهود والنصارى ، الذين قالوا لك ولأصحابك : " كونوا هُودًا أو نصارى تهتدوا " ، فاتبعتَ قبلتهم - يعني : فرَجعت إلى قبلتهم .
--> ( 1 ) الأثر : 2257 - انظر ما مضى رقم : 2204 .