محمد بن جرير الطبري

570

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وإذ كان ذلك تأويله ، فمعنى الكلام : الذين آتيناهم الكتاب ، يا محمد من أهل التوراة الذين آمنوا بك وبما جئتهم به من الحق من عندي ، يتبعون كتابي الذي أنزلته على رسولي موسى صلوات الله عليه ، فيؤمنون به ويقرون بما فيه من نعتك وصفتك ، وأنك رسولي ، فرضٌ عليهم طاعتي في الإيمان بك والتصديق بما جئتهم به من عندي ، ويعملون بما أحللت لهم ، ويجتنبون ما حرمت عليهم فيه ، ولا يحرفونه عن مواضعه ولا يبدلونه ولا يغيرونه - كما أنزلته عليهم - بتأويل ولا غيره . * * * أما قوله : ( حق تلاوته ) ، فمبالغة في صفة اتباعهم الكتاب ولزومهم العمل به ، كما يقال : " إن فلانا لعالم حق عالم " ، وكما يقال : " إن فلانا لفاضل كل فاضل " ( 1 ) * * * وقد اختلف أهل العربية في إضافة " حق " إلى المعرفة ، فقال بعض نحويي الكوفة : غير جائزة إضافته إلى معرفة لأنه بمعنى " أي " ، وبمعنى قولك : " أفضل رجل فلان " ، و " أفعل " لا يضاف إلى واحد معرفة ، لأنه مبعض ، ولا يكون الواحد المبعض معرفة . فأحالوا أن يقال : " مررت بالرجل حق الرجل " ، و " مررت بالرجل جِدِّ الرجل " ، كما أحالوا " مررت بالرجل أي الرجل " ، وأجازوا ذلك في " كل الرجل " و " عين الرجل " و " نفس الرجل " . ( 2 ) وقالوا : إنما أجزنا ذلك لأن هذه الحروف كانت في الأصل توكيدا ، فلما صرن مدوحا ، تركن مدوحا على أصولهن في المعرفة . وزعموا أن قوله : ( يتلونه حق تلاوته ) ، إنما جازت إضافته إلى التلاوة ، وهي مضافة إلى معرفة ، لأن العرب تعتد ب " الهاء " - إذا عادت إلى نكرة - بالنكرة ، فيقولون : " مررت برجل واحد أمه ، ونسيج وحده ، وسيد قومه " ، قالوا : فكذلك قوله : ( حق تلاوته ) ، إنما جازت إضافة " حق " إلى " التلاوة " وهي مضافة إلى

--> ( 1 ) انظر سيبويه 1 : 223 - 224 . ( 2 ) في المطبوعة " غير الرجل " .