محمد بن جرير الطبري
510
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
إلا من كان هودا أو نصارى ) - إلى أمر عدل بين جميع الفرق : مسلمها ويهودها ونصاراها ، وهو إقامة الحجة على دعواهم التي ادعوا : من أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا أو نصارى . يقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : يا محمد ، قل للزاعمين أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا أو نصارى ، دون غيرهم من سائر البشر : ( هاتوا برهانكم ) ، على ما تزعمون من ذلك ، فنسلم لكم دعواكم إن كنتم في دعواكم - من أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا أو نصارى - محقين . * * * والبرهان : هو البيان والحجة والبينة . كما : - 1804 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : ( هاتوا برهانكم ) ، هاتوا بينتكم . 1805 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : ( هاتوا برهانكم ) ، هاتوا حجتكم . 1806 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : ( قل هاتوا برهانكم ) ، قال : حجتكم . ( 1 ) 1807 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : ( قل هاتوا برهانكم ) ، أي : حجتكم . * * * قال أبو جعفر : وهذا الكلام ، وإن كان ظاهره ظاهر دعاء القائلين : ( لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ) - إلى إحضار حجة على دعواهم ما ادعوا من ذلك ، فإنه بمعنى تكذيب من الله لهم في دعواهم وقيلهم ، لأنهم لم يكونوا قادرين على إحضار برهان على دعواهم تلك أبدا . وقد أبان قوله : ( بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ) ، عن أن الذي ذكرنا من الكلام ، ( 2 ) بمعنى التكذيب لليهود والنصارى في دعواهم ما ذكر الله عنهم . * * * وأما تأويل قوله : ( قل هاتوا برهانكم ) فإنه : أحضروا وأتوا به . * * * القول في تأويل قوله تعالى : { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ } قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : ( بَلَى مَنْ أَسْلَمَ ) ، أنه ليس كما قال الزاعمون ( لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ) ، ولكن من أسلم وجهه لله وهو محسن ، فهو الذي يدخلها وينعم فيها ، كما : - 1809 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قال ، أخبرهم أن من يدخل الجنة هو من أسلم وجهه لله الآية . * * * وقد بينا معنى ( بلى ) فيما مضى قبل . ( 3 ) * * * وأما قوله : ( من أسلم وجهه لله ) ، فإنه يعني ب " إسلام الوجه " : التذلل لطاعته والإذعان لأمره . وأصل " الإسلام " : الاستسلام ، لأنه " من استسلمت لأمره " ، وهو الخضوع لأمره . وإنما سمي " المسلم " مسلما بخضوع جوارحه لطاعة ربه . كما : - 1810 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : ( بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ ) ، يقول : أخلص لله .
--> ( 1 ) الأثر : 1806 - كان في المطبوعة " حدثنا الحسن " وهو خطأ ، إسناد دائر ، والحسين هو الحسين بن داود المصيصي ، ولقبه " سنيد " عرف به . ( 2 ) في المطبوعة : " على أن الذي ذكرنا " ، وهو تحريف . ( 3 ) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 280 ، 281 .