محمد بن جرير الطبري
511
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وكما قال زيد بن عمرو بن نفيل : وأسلمت وجهي لمن أسلمت . . . له المزن تحمل عذبا زلالا ( 1 ) يعني بذلك : استسلمت لطاعة من استسلم لطاعته المزن وانقادت له . * * * وخص الله جل ثناؤه بالخبر عمن أخبر عنه بقوله : ( بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ) ، بإسلام وجهه له دون سائر جوارحه ، لأن أكرم أعضاء ابن آدم وجوارحه وجهه ، وهو أعظمها عليه حرمة وحقا ، فإذا خضع لشيء وجهه الذي هو أكرم أجزاء جسده عليه فغيره من أجزاء جسده أحرى أن يكون أخضع له . ولذلك تذكر العرب في منطقها الخبر عن الشيء ، فتضيفه إلى " وجهه " وهي تعني بذلك نفس الشيء وعينه ، كقول الأعشى : أَؤُوِّل الحكم على وَجهه . . . ليس قضائي بالهوى الجائر ( 2 ) يعني بقوله : " على وجهه " : على ما هو به من صحته وصوابه ، وكما قال ذو الرمة : فطاوعت همي وانجلى وجه بازل . . . من الأمر ، لم يترك خِلاجا بُزُولُها ( 3 )
--> ( 1 ) سيرة ابن هشام 1 : 246 وغيره . ( 2 ) ديوانه : 106 من قصيدته المشهورة . في منافرة علقمة بن علاثة ، وعامر بن الطفيل ، فهجا الأعشى علقمة لأمر كان بينهما . وفضل عليه عامرا . ( انظر الأغاني 15 : 50 - 56 ) . وأول الحكم : قدره ودبره ورده إلى صوابه وأصله . والجائر : المائل عن سبيل الحق . جار : ظلم ومال وقبل البيت : علقم ، لا تسفه ، ولا تجعلن . . . عرضك للوارد والصادر وبعده : قد قلت قولا فقضى بينكم . . . واعترف المنفور للنافر ( 3 ) ديوانه : 560 يمدح عبيد الله بن عمر بن عبيد الله بن معمر التميمي ، في آخر القصيدة ، فقال بعد البيت : فقالت : عبيد الله من آل معمر . . . إليه ارحل الأنقاض يرشد رحيلها وقوله : " طاوعت همي " ، ما هم به في نفسه . يقول : طاوعت ما همت به نفسي . وقوله : " بازل من الأمر " يعني خطة يركبها . هذا مثل . يقال : بزل ناب البعير بزولا ، أي طله وانشق وظهر . ومنه قيل : بزل الأمر والرأي : قطعه . وخطة بزلاء : تفصل بين الحق والباطل . فقوله " بازل من الأمر " صفة لما أضمره من قوله " خطة " ، وأتى بها على التذكير ، كما أتوا بها على التذكير في قولهم : " ناقة بازل " . والخلاج : الشك والتردد والتنازع . يقول : طاوعت ما جال في نفسي ، فانجلى عن خطة ظاهرة انشقت وظهرت ، فلم تدع للنفس مذهبا في الشك والتردد ، إذ قالت : اقصد عبيد الله بن عمر بن عبيد الله بن معمر .