محمد بن جرير الطبري

50

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

* * * القول في تأويل قوله تعالى { وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ } أما تأويل قوله : ( وإذ فرقنا بكم ) ، فإنه عطف على : ( وإذ نجيناكم ) ، بمعنى : واذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ، واذكروا إذ نجيناكم من آل فرعون ، وإذ فرقنا بكم البحر . ومعنى قوله : ( فرقنا بكم ) : فصلنا بكم البحر . لأنهم كانوا اثني عشر سبطا ؛ ففرق البحر اثني عشر طريقا ، فسلك كل سبط منهم طريقا منها ، فذلك فرق الله بهم عز وجل البحر ، وفصله بهم ، بتفريقهم في طرقه الاثني عشر ، كما : - 904 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط بن نصر ، عن السدي : لما أتى موسى البحر كنّاه " أبا خالد " ، وضربه فانفلق ، فكان كل فرق كالطود العظيم ، فدخلت بنو إسرائيل . وكان في البحر اثنا عشر طريقا في كل طريق سبط . ( 1 ) * * * وقد قال بعض نحويي البصرة : معنى قوله : ( وإذ فرقنا بكم البحر ) ، فرقنا بينكم وبين الماء . يريد بذلك : فصلنا بينكم وبينه ، وحجزناه حيث مررتم به . وذلك خلاف ما في ظاهر التلاوة ، ( 2 ) لأن الله جل ثناؤه إنما أخبر أنه فرق البحر بالقوم ، ولم يخبر أنه فرق بين القوم وبين البحر ، فيكون التأويل ما قاله قائلوا هذه المقالة ، وفرقه البحر بالقوم ، إنما هو تفريقه البحر بهم ، على ما وصفنا من افتراق سبيله بهم ، على ما جاءت به الآثار .

--> ( 1 ) الأثر 904 - من خبر طويل في تاريخ الطبري ، وهذه الفقرة منه في 1 : 214 ، وانظر أيضًا رقم : 910 . ( 2 ) انظر تفسير " الظاهر " فيما مضى : 2 : 15 ، والمراجع .