محمد بن جرير الطبري

492

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

واختلف أهل العربية في معنى ( أم ) التي في قوله : ( أم تريدون ) . فقال بعض البصريين : هي بمعنى الاستفهام . وتأويل الكلام : أتريدون أن تسألوا رسولكم ؟ * * * وقال آخرون منهم : هي بمعنى استفهام مستقبل منقطع من الكلام ، كأنك تميل بها إلى أوله ، كقول العرب : إنها لإبل يا قوم أم شاء " و " لقد كان كذا وكذا أم حدس نفسي ؟ " قال : وليس قوله : ( أم تريدون ) على الشك ، ولكنه قاله ليقبح له صنيعهم . واستشهد لقوله ذلك ببيت الأخطل : كذبَتْك عينُك أم رأيت بواسط . . . غَلَس الظلام من الرَّباب خيالا ( 1 ) * * * وقال بعض نحويي الكوفيين : إن شئت جعلت قوله : ( أم تريدون ) استفهاما على كلام قد سبقه ، كما قال جل ثناؤه : ( ألم تَنزيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ) [ السجدة : 1 - 3 ] ، فجاءت " أم " وليس قبلها استفهام ، فكان ذلك عنده دليلا على أنه استفهام مبتدأ على كلام سبقه . وقال قائل هذه المقالة : " أم " في المعنى تكون ردا على الاستفهام على جهتين : إحداهما أن تُفَرِّق معنى " أي " ، ( 2 ) والأخرى : أن يستفهم بها فتكون على جهة النسق ، والذي ينوي بها الابتداء ، إلا أنه ابتداء متصل بكلام . ( 3 ) فلو ابتدأت كلاما ليس قبله كلام ثم استفهمت ، لم يكن إلا ب‍ " الألف " أو ب‍ " هل " . ( 4 )

--> ( 1 ) ديوانه : 41 ، ونقائض جرير والخطل : 70 . وواسط : قرية غربي الفرات مقابل الرقة من أعمال الجزيرة ، وهي من منازل بني تغلب ، وهي غير واسط التي بناها الحجاج بين البصرة والكوفة . الغلس : ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بتباشير الصباح ، فهي سواد مختلط ببياض وحمرة . ( 2 ) في المطبوعة : " تعرف معنى أي " ، وفي لسان العرب ( أمم 14 : 300 ) : " أن تفارق معنى أم " وكلتاهما خطأ صرف . والصواب في معاني القرآن للفراء 1 : 71 . وذلك أن قولك : أزيد عندك أم عمرو " ، معناه أيهما عندك . وبين أن " أم " تفرق الاستفهام ، وأن " أي " تجمع متفرق الاستفهام . وقد قال الطبري فيما سلف في هذا الجزء 2 : 198 : " إن أصل " أي " و " ما " جمع متفرق الاستفهام " . ( 3 ) في المطبوعة : " وتكون على جهة النسق ، وللذي ينوى به الابتداء " ، والصواب من معاني القرآن للفراء . ( 4 ) هذا نص كلام الفراء في معاني القرآن 1 : 71 .