محمد بن جرير الطبري
493
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
قال : وإن شئت قلت في قوله : ( أم تريدون ) ، قبله استفهام ، فرد عليه وهو في قوله : ( ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ) . ( 1 ) * * * قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندي ، على ما جاءت به الآثار التي ذكرناها عن أهل التأويل : أنه استفهام مبتدأ ، بمعنى : أتريدون أيها القوم أن تسألوا رسولكم ؟ وإنما جاز ، أن يستفهم القوم ب " أم " ، وإن كانت " أم " أحد شروطها أن تكون نسقا في الاستفهام لتقدم ما تقدمها من الكلام ، لأنها تكون استفهاما مبتدأ إذا تقدمها سابق من الكلام . ولم يسمع من العرب استفهام بها ولم يتقدمها كلام . ونظيره قوله جل ثناؤه : ( ألم تَنزيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ) [ السجدة : 1 - 3 ] وقد تكون " أم " بمعنى " بل " ، إذا سبقها استفهام لا يصلح فيه " أي " ، فيقولون : " هل لك قِبَلَنا حق ، أم أنت رجل معروف بالظلم ؟ " ( 2 ) وقال الشاعر : فوالله ما أدري أسلمى تغولت . . . أم النوم أم كل إلي حبيب ( 3 ) يعني : بل كل إلي حبيب . وقد كان بعضهم يقول - منكرا قول من زعم أن " أم " في قوله : ( أم تريدون )
--> ( 1 ) وهذا أيضًا بعض نص الفراء في معاني القرآن . ( 2 ) هذا أيضًا ذكره الفراء . ثم قال بعده : " يريدون : بل أنت رجل معروف بالظلم " . ( 3 ) لم أعرف قائله . وسيأتي في تفسيره 20 : 6 ( بولاق ) على الصواب ، وفي معاني القرآن للفراء 1 : 72 ، واللسان ( أمم ) ، والصاحبي : 98 . وفي المطبوعة هنا : " تقولت . . أم القول ، وهو خطأ محض . وقوله : " تغولت " ، أي تصورت في صورة امرأة أحسها وأراها . من تغول الغول : وهي أن تتلون وتتخيل في صور شتى . يعنى أنها بعيدة لا شك في بعدها ، ولكنه يخال أنه يراها أمامه ماثلة قائمة . وقال الأخطل : وتعرضت لك بالأباطح بعد ما . . . قطعت بأبرق خلة ووصالا وتغولت لتروعنا جنية . . . والغانيات يرينك الأهوالا ثم يقول : " أم النوم " أي : أم هو حلم . بل كلاهما حبيب إلى ، يعني أي ذلك كان ، فهو حبيب إلى .