محمد بن جرير الطبري

485

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

قيل : بلى ! فقد كان بعضهم يقول : إنما ذلك من الله جل ثناؤه خبر عن أن محمدا قد علم ذلك ، ولكنه قد أخرج الكلام مخرج التقرير ، كما تفعل مثله العرب في خطاب بعضها بعضا ، فيقول أحدهما لصاحبه : " ألم أكرمك ؟ ألم أتفضل عليك ؟ " بمعنى إخباره أنه قد أكرمه وتفضل عليه ، يريد : أليس قد أكرمتك ؟ أليس قد تفضلت عليك ؟ بمعنى قد علمت ذلك . * * * قال أبو جعفر : وهذا لا وجه له عندنا . وذلك أن قوله جل ثناؤه : ( ألم تعلم ) ، إنما معناه : أما علمت . وهو حرف جحد أدخل عليه حرف استفهام ، وحروف الاستفهام إنما تدخل في الكلام إما بمعنى الاستثبات ، وإما بمعنى النفي ، فأما بمعنى الإثبات ، فذلك غير معروف في كلام العرب ، ولا سيما إذا دخلت على حروف الجحد . ولكن ذلك عندي ، وإن كان ظهر ظهور الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، فإنما هو معني به أصحابه الذين قال الله جل ثناؤه : ( لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا ) . والذي يدل على أن ذلك كذلك قوله جل ثناؤه : ( وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ) ، فعاد بالخطاب في آخر الآية إلى جميعهم ، وقد ابتدأ أولها بخطاب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض ) . لأن المراد بذلك الذين وصفت أمرهم من أصحابه . وذلك من كلام العرب مستفيض بينهم فصيح : أن يخرج المتكلم كلامه على وجه الخطاب منه لبعض الناس وهو قاصد به غيره ، وعلى وجه الخطاب لواحدٍ وهو يقصد به جماعةً غيره ، أو جماعة والمخاطب به أحدهم - وعلى وجه الخطاب للجماعة ، والمقصود به أحدهم . من ذلك قول الله جل ثناؤه : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ) [ الأحزاب : 1 - 2 ] ، فرجع إلى خطاب الجماعة ، وقد ابتدأ الكلام بخطاب النبي صلى الله عليه وسلم . ونظير ذلك قول الكميت بن زيد في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم :