محمد بن جرير الطبري
486
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
إلى السراج المنير أحمد ، لا . . . يَعْدِلني رغبة ولا رهب ( 1 ) عنه إلى غيره ولو رفع الن . . . اس إليّ العيونُ وارتقبوا ( 2 ) وقيل : أفرطتَ ! بل قصدتُ ولو . . . عنفني القائلون أو ثَلَبُوا ( 3 ) لج بتفضيلك اللسان ، ولو . . . أكثر فيك الضِّجاج واللجَب ( 4 ) أنت المصفي المحض المهذب في الن . . . سبة ، إن نص قومَك النسب ( 5 ) فأخرج كلامه على وجه الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، وهو قاصد بذلك أهل بيته ، فكنى عن وصفهم ومدحهم ، بذكر النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن بني أمية ، بالقائلين المعنفين . لأنه معلوم أنه لا أحد يوصف بتعنيف مادح النبي صلى الله عليه وسلم وتفضيله ، ولا بإكثار الضجاج واللجب في إطناب القيل بفضله . ( 6 )
--> ( 1 ) الهاشميات : 34 ، والحيوان للجاحظ 5 : 170 - 171 . ( 2 ) " عنه إلى غيره " متعلق بقوله : لا يعدلني . . " ، في البيت قبله . ( 3 ) أفرطت : أي جاوزت الحد . و " قصدت " من القصد : وهو العدل بين الإفراط والتقصير . والثلب : العيب والذم . ( 4 ) قوله " فيك " أي بسببك ومن أجلك . والضجاج مصدر : ضاجه يضاجه ( بتشديد الجيم ) مضاجة وضجاجا : وهو المشاغبة مع الصياح والضجيج . واللجب : ارتفاع الأصوات واختلاطها طلبا للغلبة . ( 5 ) هذب الشيء : نقاء وخلصه وطهره من كل ما يعيبه . وقوله " المهذب في النسبة " ، أي المهذب النسبة ، وأدخل " في " للتوكيد ، بمعنى الزيادة . ونص الشيء : رفعه وأظهره وأبانه . يعني أبان فضلهم على غيرهم . ( 6 ) من شاء أن يعرف فضل ما بين عقلين من عقول أهل الذكاء والفطنة ، فلينظر إلى ما بين قول أبي جعفر في حسن تأتيه ، وبين قول الجاحظ في استطالته بذكائه حيث يقول في كتابه الحيوان 5 : 169 - 171 . ومن المديح الخطأ ، الذي لم أر قط أعجب منه قول الكميت بن زيد ، وهو يمدح النبي صلى الله عليه وسلم : فلو كان مديحه لبني أمية لجاز أن يعيبهم بذلك بعض بني هاشم ، أو لو مدح به بعض بني هاشم ، لجاز أن يعترض عليه بعض بني أمية ، أو لو مدح أبا بلال الخارجي لجاز أن تعيبه العامة ، أو لو مدح عمرو بن عبيد لجاز أن يعيبه المخالف ، أو لو مدح المهلب ، لجاز أن يعيبه أصحاب الأحنف ، فأما مديح النبي صلى الله عليه وسلم . فمن هذا الذي يسوؤه ذلك ؟ " ثم أنشد الأبيات السالفة ، وقال : " ولو كان لم يقل فيه عليه السلام إلا مثل قوله : وبورك قبر أنت فيه وبوركت . . . به وله أهل بذلك يثرب لقد غيبوا برا وحزما ونائلا . . . عشية واراك الصفيح المنصب فلو كان لم يمدحه عليه السلام إلا بهذه الأشعار التي لا تصلح في عامة العرب ، لما كان بالمحمود ، فكيف مع الذي حكينا قبل هذا ؟ " . والجاحظ تأخذ قلمه أحيانا مثل الحكة ، لا تهدأ من ثوراتها عليه حتى يشتفى منها ببعض القول ، وببعض الاستطالة ، وبفرط العقل ! ومع ذلك ، فإن النقاد يتبعون الجاحظ ثقة بفضله وعقله ، فربما هجروا من القول ما هو أولى ، فتنة بما يقول .