محمد بن جرير الطبري
483
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
فالتوجه شطر بيت المقدس ، وإن خالف التوجه شطر المسجد ، فكلفة التوجه - شطر أيهما توجه شطره - واحدة . لأن الذي على المتوجه شطر البيت المقدس من مؤؤنة توجهه شطره ، نظير الذي على بدنه مؤنة توجهه شطر الكعبة ، سواء . فذلك هو معنى " المثل " الذي قال جل ثناؤه : ( أو مثلها ) . * * * وإنما عنى جل ثناؤه بقوله : ( ما ننسخ من آية أو ننسها ) : ما ننسخ من حكم آية أو ننسه . غير أن المخاطبين بالآية لما كان مفهوما عندهم معناها ، اكتفي بدلالة ذكر " الآية " من ذكر " حكمها " . وذلك نظير سائر ما ذكرنا من نظائره فيما مضى من كتابنا هذا ، كقوله : ( وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ ) [ البقرة : 93 ] ، بمعنى حب العجل ، ونحو ذلك . ( 1 ) * * * فتأويل الآية إذا : ما نغير من حكم آية فنبدله ، أو نتركه فلا نبدله ، نأت بخير لكم - أيها المؤمنون - حكما منها ، أو مثل حكمها في الخفة والثقل والأجر والثواب . * * * فإن قال قائل : فإنا قد علمنا أن العجل لا يشرب في القلوب ، وأنه لا يلتبس على من سمع قوله : ( وأشربوا في قلوبهم العجلَ ) ، أن معناه : وأشربوا في قلوبهم حب العجل ، فما الذي يدل على أن قوله : ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها ) - لذلك نظير ؟ قيل : الذي دل على أن ذلك كذلك قوله : ( نأت بخير منها أو مثلها ) ، وغير جائز أن يكون من القرآن شيء خير من شيء ، لأن جميعه كلام الله ، ولا يجوز في صفات الله تعالى ذكره أن يقال : بعضها أفضل من بعض ، وبعضها خير من بعض . ( 2 ) * * *
--> ( 1 ) انظر ما سلف من هذا الجزء 2 : 357 - 360 . ( 2 ) من شاء أن يرى كيف كان أبو جعفر رضي الله عنه يبصر معنى كل حرف ، متحريا للحق والصواب حريصا على دلالة كل كلمة ، فليقرأ أمثال هذا القول فيما مضى وفيما يستقبل .