محمد بن جرير الطبري

468

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وقد نَظَرتكمُ أَعْشاء صادرةٍ . . . للخِمس ، طال بها حَوْزي وتَنْساسي ( 1 ) ومنه قول الله عز وجل : ( يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ ) [ سورة الحديد : 13 ] ، يعني به : انتظرونا . * * * وقد قرئ " أنظرنا " و " أنظرونا " بقطع " الألف " في الموضعين جميعا ( 2 ) فمن قرأ ذلك كذلك أراد : أخرنا ، كما قال الله جل ثناؤه : ( قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) [ سورة ص : 79 ] ، أي أخرني . ولا وجه لقراءة ذلك كذلك في هذا الموضع . لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أمروا بالدنو من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والاستماع منه ، وإلطاف الخطاب له ، وخفض الجناح - لا بالتأخر عنه ، ولا بمسألته تأخيرهم عنه . فالصواب - إذْ كان ذلك كذلك - ( 3 ) من القراءة قراءة من وصل الألف من قوله : ( انظرنا ) ، ولم يقطعها بمعنى : انتظرنا . * * * وقد قيل : إن معنى ( أنظرنا ) بقطع الألف بمعنى : أمهلنا . حكي عن بعض

--> ( 1 ) ديوانه : 53 ، واللسان ( نظر ) ( حوز ) ( نس ) ( عشا ) . من قصيدة يهجو بها الزبرقان ابن بدر ، ويمدح بغيض بن عامر من شماس . والأعشاء جمع عشى ( بكسر فسكون ) : وهو ما تتعشاه الإبل . والصادرة : الإبل التي تصدر عن الماء . والخمس : من أظماء الإبل ، وهو أن تظل في المرعى بعد يوم ورودها ثلاثة أيام ، ثم ترد في الرابع . والحوز : السوق اللين ، حاز الإبل : ساقها سوقا رويدا . والتنساس والنس ، مصدر قولك : نس الإبل بينها : ساقها سوقا شديدا لورود الماء . ويروى " إيتاء صادرة " . والإيتاء مصدر آنيت الشيء : إذ أخرته . يقول للزبرقان ، حين نزل بداره ، ثم تحول عنها إلى دار بغيض ( انظر خبرهما في طبقات فحول الشعراء : 96 - 98 ) : انتظرت خيركم انتظار الإبل الخوامس لعشائها . وذلك أن الإبل إذا صدرت تعشت طويلا ، وفي بطونها ماء كثير ، فهي تحتاج إلى بقل كثير . يصف طول انتظاره حين لا صبر له على طول الانتظار . وقد شكاه الزبرقان إلى عمر لهذه القصيدة ، ولقوله فيها : دع المكارم لا ترحل لبغيتها . . . واقعد ، فإنك أنت الطاعم الكاسي ( 2 ) زدت قول الله تعالى : " أنظرونا " ، من أجل اختلاف " الحرفين . ( 3 ) في المطبوعة : " إن كان ذلك . . " ، ليست بشيء .