محمد بن جرير الطبري

463

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

ناس منهم يقولون : " اسمع غير مسمع " ، كقولك اسمع غير صاغر = وهي التي في النساء ( مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ) [ سورة النساء : 46 ] ، يقول : إنما يريد بقوله طعنا في الدين . ثم تقدم إلى المؤمنين فقال : " لا تقولوا راعنا " . ( 1 ) * * * قال أبو جعفر : والصواب من القول في نهي الله جل ثناؤه المؤمنين أن يقولوا لنبيه : " راعنا " أن يقال : إنها كلمة كرهها الله لهم أن يقولوها لنبيه صلى الله عليه وسلم ، نظير الذي ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : 1739 - " لا تقولوا للعنب الكرم ، ولكن قولوا : الحبَلة " . ( 2 ) 1740 - و " لا تقولوا : عبدي ، ولكن قولوا : فتاي " . ( 3 ) وما أشبه ذلك ، من الكلمتين اللتين تكونان مستعملتين بمعنى واحد في كلام العرب ، فتأتي الكراهة أو النهي باستعمال إحداهما ، واختيار الأخرى عليها في المخاطبات . * * * فإن قال لنا قائل : فإنا قد علمنا معنى نهي النبي صلى الله عليه وسلم في " العنب " أن يقال له " كرم " ، وفي " العبد " أن يقال له " عبد " ، فما المعنى الذي في قوله : ( راعنا ) حينئذ ، الذي من أجله كان النهي من الله جل ثناؤه للمؤمنين

--> ( 1 ) تقدم إليه : أمره . ( 2 ) الحديث : 1739 - ذكره الطبري معلقا دون إسناد . وقد رواه أحمد في المسند : 7509 ، من حديث أبي هريرة ، مرفوعا : " ولا تسموا العنب الكرم " . ورواه الشيخان وغيرهما ، كما بينا هناك . ورواه أيضًا قبل ذلك إشارة موجزا : 7256 . وروى مسلم 2 : 197 ، من حديث علقمة بن وائل ، عن أبيه ، مرفوعا : " لا تقولوا الكرم ، ولكن قولوا : الحبلة ، يعني العنب " . ( 3 ) الحديث : 1740 - وهذا معلق أيضًا . وهو جزء من حديث طويل . رواه البخاري ومسلم وغيرهما ، من حديث أبي هريرة ، مرفوعا : " . . ولا يقل أحدكم عبدي ، أمتي ، وليقل : فتاي ، فتاتي ، غلامي " . انظر البخاري 5 : 128 - 131 ( فتح ) ، ومسلم 2 : 197 .