محمد بن جرير الطبري

464

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

عن أن يقولوه ، حتى أمرهم أن يؤثروا قوله : ( انظرنا ) ؟ قيل : الذي فيه من ذلك ، نظير الذي في قول القائل : " الكرم " للعنب ، و " العبد " للمملوك . وذلك أن قول القائل : " عبدي " لجميع عباد الله ، فكره للنبي صلى الله عليه وسلم أن يضاف بعض عباد الله - بمعنى العبودية - إلى غير الله ، وأمر أن يضاف ذلك إلى غيره ، بغير المعنى الذي يضاف إلى الله عز وجل ، فيقال : " فتاي " . وكذلك وجه نهيه في " العنب " أن يقال : " كرم " خوفا من توهم وصفه بالكرَم ، وإن كانت مُسَكَّنَة ، فإن العرب قد تسكن بعض الحركات إذا تتابعت على نوع واحد . فكره أن يتصف بذلك العنب . فكذلك نهى الله عز وجل المؤمنين أن يقولوا : " راعنا " ، لما كان قول القائل : " راعنا " محتملا أن يكون بمعنى احفظنا ونحفظك ، وارقبنا ونرقبك . من قول العرب بعضهم لبعض : " رعاك الله " : بمعنى حفظك الله وكلأك - ومحتملا أن يكون بمعنى : أَرْعنا سمعك ، من قولهم : " أرعيت سمعي إرعاء - أو راعيته - سمعي رِعاء أو مراعاة " ، بمعنى : فرغته لسماع كلامه . كما قال الأعشى ميمون بن قيس : يُرْعِي إلى قول سادات الرجال إذا . . . أبدوا له الحزم أو ما شاءه ابتدعا ( 1 ) يعني بقوله " يرعى " ، يصغي بسمعه إليه مفرغه لذلك . وكان الله جل ثناؤه قد أمر المؤمنين بتوقير نبيه صلى الله عليه وسلم وتعظيمه ، حتى نهاهم جل ذكره فيما نهاهم عنه عن رفع أصواتهم فوق صوته ، وأن يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض ، وخوفهم على ذلك حبوط أعمالهم . ( 2 )

--> ( 1 ) ديوانه : 86 ، وسيأتي في هذا الجزء 2 : 540 وقد سلف تخريج أبيات من هذه القصيدة في 1 : 106 ، 2 : 94 ، وهي في هوذة بن علي كما سلف . يقول قبله : يا هوذ ، يا خير من يمشي على قدم . . . بحر المواهب للوراد والشرعا وابتدع : أحدث ما شاء . ( 2 ) اقرأ قول الله تعالى في صدر " سورة الحجرات " .