محمد بن جرير الطبري
421
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
1673 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : أما قوله : ( وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت ) ، فهذا سحر آخر خاصموه به أيضا . يقول : خاصموه بما أنزل على الملكين ، وأن كلام الملائكة فيما بينهم ، إذا علمته الإنس فصنع وعمل به ، كان سحرا . ( 1 ) 1674 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : ( يعلمون الناس السحر وما أنزل على الناس ببابل هاروت وماروت ) . فالسحر سحران : سحر تعلمه الشياطين ، وسحر يعلمه هاروت وماروت . 1675 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : ( وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت ) ، قال : التفريق بين المرء وزوجه . 1676 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : ( ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ) ، فقرأ حتى بلغ : ( فلا تكفر ) ، قال : الشياطين والملكان يعلمون الناس السحر . * * * قال أبو جعفر : فمعنى الآية على تأويل هذا القول الذي ذكرنا عمن ذكرناه عنه : واتبعت اليهود الذي تلت الشياطين في ملك سليمان الذي أنزل على الملكين ببابل وهاروت وماروت . وهما ملكان من ملائكة الله ، سنذكر ما روي من الأخبار في شأنهما إن شاء الله تعالى . * * * قال أبو جعفر ( 2 ) إن قال لنا قائل : وهل يجوز أن ينزل الله السحر ، أم
--> ( 1 ) الأثر : 1673 - هو من تتمة الأثر السالف : 1646 ، ويرجع الضمير في قوله : " وخاصموه به أيضًا - إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم اليهود ، كما تبين ذلك من مراجعة الأثر هناك . ( 2 ) كان في المطبوعة هنا : " وقالوا : إن قال لنا قائل . . " . والضمير في " قالوا " ، لا يعود إلى مذكورين قبل . وكأن الناسخ تعاظمه أن يكون الرد الآتي من كلام أبي جعفر ، فحذف ما جرى عليه في تفسيره من قوله " قال أبو جعفر " ، وأقحم " وقالوا " مكانها ، ثم زاد فحشا هذه الفقرات الآتية بكلمته " وقالوا " ، كما سنبينه في مواضعه من التعليق . وهذا أسلوب لم يطرقه أبو جعفر قط في تفسيره كله . والذي استبشعه بعض النساخ - فيما نرجح - سيأتي بعد قليل في ص 423 - 426 بأوضح مما قاله هنا . وقد عد ابن كثير قول أبي جعفر مسلكا غريبا ، فقال في تفسيره 1 : 253 ، وذكر ما ذكره أبو جعفر من قول من قال " ما " بمعنى " لم " فقال : " ثم شرع ابن جرير في رد هذا القول ، وأن " ما " بمعنى " الذي " ، وأطال القول في ذلك ، وادعى أن هاروت وماروت ملكان أنزلهما الله إلى الأرض ، وأذن لهما في تعليم السحر ، اختبارا لعباده وامتحانا ، بعد أن بين لعباده أن ذلك مما ينهى عنه على ألسنة الرسل ، وادعى أن هاروت وماروت مطيعان في تعليم ذلك ، لأنهما امتثلا ما أمرا به . وهذا الذي سلكه غريب جدا " . ولست أستنكر ما قاله أبو جعفر ، كما استنكره ابن كثير ، ولو أنت أنصفت وتتبعت كلام أبي جعفر ، لرأيت فيه حجة بينه ساطعة على صواب مذهبه الذي ذهب إليه ، ولرأيت دقة ولطفا في تناول المعاني ، وتدبير الألفاظ ، لا تكاد تجدهما في غير هذا التفسير الجليل القدر .