محمد بن جرير الطبري
420
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
فإن قال لنا قائل : وكيف - وجه تقديم ذلك ؟ قيل : وجه تقديمه أن يقال : واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان [ من السحر ] ، وما أنزل [ الله السحر ] على الملكين ، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل ، هاروت وماروت - فيكون معنيا ب " الملكين " : جبريل وميكائيل ، لأن سحرة اليهود ، فيما ذكر ، كانت تزعم أن الله أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان بن داود ، فأكذبها الله بذلك ، وأخبر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن جبريل وميكائيل لم ينزلا بسحر قط ، وبرأ سليمان مما نحلوه من السحر ، فأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين ، وأنها تعلم الناس [ ذلك ] ببابل ، وأن اللذين يعلمانهم ذلك رجلان : ( 1 ) اسم أحدهما هاروت ، واسم الآخر ماروت . فيكون " هاروت وماروت " ، على هذا التأويل ، ترجمة على " الناس " وردا عليهم . ( 2 ) * * * وقال آخرون : بل تأويل " ما " التي في قوله : ( وما أنزل على الملكين ) - " الذي " . * ذكر من قال ذلك : 1672 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، قال معمر ، قال قتادة والزهري عن عبد الله : ( وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت ) ، كانا ملكين من الملائكة ، فأهبطا ليحكما بين الناس . وذلك أن الملائكة سخروا من أحكام بني آدم . قال : فحاكمت إليهما امرأة فحافا لها ، ( 3 ) ثم ذهبا يصعدان ، فحيل بينهما وبين ذلك ، وخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، فاختارا عذاب الدنيا . قال معمر ، قال قتادة : فكانا يعلمان الناس السحر ، فأخذ عليهما أن لا يعلما أحدا حتى يقولا " إنما نحن فتنة فلا تكفر " .
--> ( 1 ) في المطبوعة وابن كثير : " وأن الذين يعلمونهم " ، وما أثبت هو الصواب . ( 2 ) " الترجمة " عند الكوفيين هي " البدل " ، وانظر ما سلف 2 : 340 وانظر ما سيأتي : 423 . والزيادات التي بين الأقواس في هذه الفقرة ، من تفسير ابن كثير 1 : 252 ، وقد نقل كلام الطبري بنصه . ( 3 ) حاف له يحيف حيفا : مال معه فجاز وظلم غيره . وحاف عليه : ظلمه وجار عليه .