محمد بن جرير الطبري

396

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

جبريل صاحب محمد صلى الله عليه وسلم - أعلمهم الله أن من كان لجبريل عدوا ، فإن الله له عدو ، وأنه من الكافرين . فنص عليه باسمه وعلى ميكائيل باسمه ، لئلا يقول منهم قائل : إنما قال الله : من كان عدوا لله وملائكته ورسله ، ولسنا لله ولا لملائكته ورسله أعداء . لأن الملائكة اسم عام محتمل خاصا ، وجبريل وميكائيل غير داخلين فيه . وكذلك قوله : ( ورسله ) ، فلست يا محمد داخلا فيهم . فنص الله تعالى على أسماء من زعموا أنهم أعداؤه بأعيانهم ، ليقطع بذلك تلبيسهم على أهل الضعف منهم ، ويحسم تمويههم أمورهم على المنافقين . * * * وأما إظهار اسم الله في قوله : ( فإن الله عدو للكافرين ) ، وتكريره فيه - وقد ابتدأ أول الخبر بذكره فقال : ( من كان عدوا لله وملائكته ) - فلئلا يلتبس لو ظهر ذلك بكناية ، فقيل : " فإنه عدو للكافرين " ، على سامعه ، من المَعْنِيّ ب‍ " الهاء " التي في " فإنه " : أألله ، أم رسل الله جل ثناؤه ، أم جبريل ، أم ميكائيل ؟ إذ لو جاء ذلك بكناية على ما وصفت ، فإنه يلتبس معنى ذلك على من لم يوقف على المعني بذلك ، لاحتمال الكلام ما وصفت ، وقد كان بعض أهل العربية يوجه ذلك إلى نحو قول الشاعر : ( 1 ) ليت الغراب غداة ينعَب دائما . . . كان الغراب مقطع الأوداج ( 2 ) وأنه إظهار الاسم الذي حظه الكناية عنه . والأمر في ذلك بخلاف ما قال . وذلك أن " الغراب " الثاني لو كان مكنى عنه ، لما التبس على أحد يعقل كلام العرب أنه كناية اسم " الغراب " الأول ، إذ كان لا شيء قبله يحتمل الكلام أن يوجه إليه

--> ( 1 ) هو جرير . ( 2 ) ديوانه 89 ، وأمالي ابن الشجري 1 : 243 ، وغيرهما . ورواية ديوانه " ينعت بالنوى " وهو الجيد ، فإن قبله : إن الغراب ، بما كرهت ، لمولع . . . بنوى الأحبة دائم التشحاج والأوداج جمع ودج : وهو عرق من عروق تكتنف الحلقوم .