محمد بن جرير الطبري

368

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

ابن جريج قوله : ( فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ) ، وكانت اليهود أشد فرارا من الموت ، ولم يكونوا ليتمنوه أبدا . * * * وأما قوله : ( بما قدمت أيديهم ) ، فإنه يعني به : بما أسلفته أيديهم . وإنما ذلك مثل ، على نحو ما تتمثل به العرب في كلامها . فتقول للرجل يؤخذ بجريرة جرها أو جناية جناها فيعاقب عليها : " نالك هذا بما جنت يداك ، وبما كسبت يداك ، وبما قدمت يداك " ، فتضيف ذلك إلى " اليد " . ولعل الجناية التي جناها فاستحق عليها العقوبة ، كانت باللسان أو بالفرج أو بغير ذلك من أعضاء جسده سوى اليد . قال أبو جعفر : وإنما قيل ذلك بإضافته إلى " اليد " ، لأن عُظْمَ جنايات الناس بأيديهم ، فجرى الكلام باستعمال إضافة الجنايات التي يجنيها الناس إلى " أيديهم " ، حتى أضيف كل ما عوقب عليه الإنسان مما جناه بسائر أعضاء جسده ، إلى أنها عقوبة على ما جنته يده . فلذلك قاله جل ثناؤه للعرب : ( ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم ) ، يعني به : ولن يتمنى اليهود الموت بما قدموا أمامهم في حياتهم من كفرهم بالله ، في مخالفتهم أمره وطاعته في اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند الله ، وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ، ويعلمون أنه نبي مبعوث . فأضاف جل ثناؤه ما انطوت عليه قلوبهم ، وأضمرته أنفسهم ، ونطقت به ألسنتهم - من حسد محمد صلى الله عليه وسلم ، والبغي عليه ، وتكذيبه وجحود رسالته - إلى أيديهم ، وأنه مما قدمته أيديهم ، لعلم العرب معنى ذلك في منطقها وكلامها . إذ كان جل ثناؤه إنما أنزل القرآن بلسانها وبلغتها . وروي عن ابن عباس في ذلك ما : - 1581 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد قال ، حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : ( بما قدمت أيديهم ) ، يقول : بما أسلفت أيديهم .