محمد بن جرير الطبري
322
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ ) [ المائدة : 110 ] ، فلو كان الروح الذي أيده الله به هو الإنجيل ، لكان قوله : " إذ أيدتك بروح القدس " ، و " إذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل " ، تكرير قول لا معنى له . وذلك أنه على تأويل قول من قال : معنى ( إذ أيدتك بروح القدس ) ، إنما هو : إذ أيدتك بالإنجيل - وإذ علمتك الإنجيل . وهو لا يكون به مؤيدا إلا وهو مُعَلَّمُه ، فذلك تكرير كلام واحد ، من غير زيادة معنى في أحدهما على الآخر . وذلك خلف من الكلام ، ( 1 ) والله تعالى ذكره يتعالى عن أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم به فائدة . وإذْ كان ذلك كذلك ، فَبَيِّنٌ فساد قول من زعم أن " الروح " في هذا الموضع ، الإنجيل ، وإن كان جميع كتب الله التي أوحاها إلى رسله روحا منه لأنها تحيا بها القلوب الميتة ، وتنتعش بها النفوس المولية ، وتهتدي بها الأحلام الضالة . * * * وإنما سمى الله تعالى جبريل " روحا " وأضافه إلى " القدس " ، لأنه كان بتكوين الله له روحا من عنده ، من غير ولادة والد ولده ، فسماه بذلك " روحا " ، وأضافه إلى " القدس " - و " القدس " ، هو الطهر - كما سمي عيسى ابن مريم " روحا " لله من أجل تكوينه له روحا من عنده من غير ولادة والد ولده . * * * وقد بينا فيما مضى من كتابنا هذا ، أن معنى " التقديس " : التطهير ، و " القدس " - الطهر ، من ذلك . وقد اختلف أهل التأويل في معناه في هذا الموضع نحو اختلافهم في الموضع الذي ذكرناه . ( 2 ) 1492 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قال : القدس ، البركة . 1493 - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه قال : القدس ، وهو الرب تعالى ذكره .
--> ( 1 ) الخلف : الرديء الفاسد من القول . يقال في المثل : " سكت ألفا ونطق خلفا " ، للرجل يطيل الصمت ، فإذا تكلم تكلم بالخطأ والخطل . ( 2 ) انظر ما سلف 1 : 475 - 476 .