محمد بن جرير الطبري

312

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

الآلام والزمانة - وواحده على تقدير " فعيل " ، على " فعلى " ، كالذي وصفنا قبل ، وكان أحد ذلك " الأسير " ، كان الواجب أن يلحق بنظائره وأشكاله ، فيجمع جمعها دون غيرها ممن خالفها . * * * وأما من قرأ : ( تفادوهم ) ، فإنه أراد : أنكم تفدونهم من أسرهم ، ويفدي منكم - الذين أسروهم ففادوكم بهم - أسراكم منهم . * * * وأما من قرأ ذلك ( تفدوهم ) ، فإنه أراد : إنكم يا معشر اليهود ، إن أتاكم الذين أخرجتموهم منكم من ديارهم أسرى فديتموهم فاستنقذتموهم . وهذه القراءة أعجب إلي من الأولى - أعني : ( أسرى تفادوهم ) - ( 1 ) لأن الذي على اليهود في دينهم فداء أسراهم بكل حال ، فدى الآسرون أسراهم منهم أم لم يفدوهم . * * * وأما قوله : ( وهو محرم عليكم إخراجهم ) ، فإن في قوله : ( وهو ) وجهين من التأويل . أحدهما : أن يكون كناية عن الإخراج الذي تقدم ذكره . كأنه قال : وتخرجون فريقا منكم من ديارهم ، وإخراجهم محرم عليكم . ثم كرر " الإخراج " الذي بعد " وهو محرم عليكم " تكريرا على " هو " ، لما حال بين " الإخراج " و " هو " كلام . والتأويل الثاني : أن يكون عمادا ، لمّا كانت " الواو " التي مع " هو " تقتضي اسما يليها دون الفعل . ( 2 ) فلما قدم الفعل قبل الاسم - الذي تقتضيه " الواو " أن يليها - أُولِيَتْ " هو " ، لأنه اسم ، كما تقول : " أتيتك وهو قائم أبوك " ، بمعنى : " وأبوك قائم " ، إذ كانت " الواو " تقتضي اسما ، فعمدت ب‍ " هو " ، إذ سبق الفعل الاسم ليصلح الكلام . ( 3 ) كما قال الشاعر :

--> ( 1 ) في المطبوعة : " أسرى تفدوهم " ، وهو غير الصواب ، فيما اختاره أبو جعفر من القراءة . ( 2 ) العماد ، هو ما اصطلح عليه البصريون بقولهم : " ضمير الفصل " ، ويسمى أيضًا : " دعامة " ، " صفة " . وأراد بقوله : " الفعل " هنا : المشتق الذي يعمل فيما بعده عمل الفعل . وسيتبين مراده في العبارات الآتية . ( 3 ) قد استوفى هذا كله الفراء في معاني القرآن 1 : 50 - 52 .