محمد بن جرير الطبري
263
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
شاكين في التوراة أنها من عند الله . وكذلك " المتمني " الذي هو في معنى " المشتهي " غير جائز أن يقال : هو ظان في تمنيه . لأن التمني من المتمني ، إذا تمنى ما قد وجد عينه . فغير جائز أن يقال : هو شاك ، فيما هو به عالم . لأن العلم والشك معنيان ينفي كل واحد منهما صاحبه ، لا يجوز اجتماعهما في حيز واحد . والمتمني في حال تمنيه ، موجود تمنيه ، فغير جائز أن يقال : هو يظن تمنيه . ( 1 ) * * * وإنما قيل : ( لا يعلمون الكتاب إلا أماني ) ، والأماني من غير نوع " الكتاب " ، كما قال ربنا جل ثناؤه : ( مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ) [ النساء : 157 ] و " الظن " من " العلم " بمعزل . وكما قال : ( وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى ) [ الليل : 19 - 20 ] ، وكما قال الشاعر : ( 2 ) ليس بيني وبين قيس عتاب . . . غير طعن الكُلَى وضرب الرقاب ( 3 ) وكما قال نابغة بني ذبيان : حلفت يمينا غير ذي مَثْنَوية ، . . . ولا علم إلا حسنَ ظن بصاحب ( 4 )
--> ( 1 ) في المطبوعة : " غير جائز " ، والصواب إثبات الفاء . ( 2 ) هو عمرو بن الأيهم التغلبي النصراني ، وقيل اسمه : عمير ، وقيل هو أعشى تغلب . روي عن الأخطل أنه قيل له وهو يموت : على من تخلف قومك ؟ قال : على العميرين . يعني القطامي عمير ابن أشيم ، وعمير بن الأهتم . ( 3 ) سيبويه 1 : 365 ، والوحشيات رقم : 55 ، ومعجم الشعراء : 242 ، وحماسة البحتري : 32 ، وانظر تحقيق الراجكوتي في سمط اللآلئ : 184 . والشعر يقوله في هجاء قيس عيلان يقول فيها : قاتل الله قيس عيلان طرا . . . ما لهم دون غدرة من حجاب ثم إن سيبويه أنشد البيت برفع " غير " ، على البدل من " عتاب " ، اتساعا ومجازا . ( 4 ) ديوانه : 42 ، وسيبويه 1 : 365 ، وغيرهما ، وروايتهم جميعا : " بصاحب " ، وكان في الأصل المطبوع " بغائب " ، وأظن أن ما كان في الطبري خطأ من النساخ ، لأنه لا يتفق مع الشعر . فالنابغة يمدح بهذه الأبيات عمرو بن الحارث الأعرج الغساني ، فيقول قبله : على لعمرو نعمة بعد نعمة . . . لوالده ، ليست ، بذات عقارب حلفت يمينا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لئن كان للقبرين : قبر بجلق . . . وقبر بصيداء الذي عند حارب وللحارث الجفني سيد قومه . . . ليلتمسن بالجيش دار المحارب وقوله : " مثنوية " أي استثناء . فهو يقول لعمرو : حلفت يمينا لئن كان من هو - من ولد هؤلاء الملوك من آبائه ، الذين عدد قبورهم ومآثرهم - ليغزون من حاربه في عقر داره وليهزمنه ، ولم أقل هذا عن علم إلا ما عندي في صاحبي من حسن الظن . فرواية الطبري لا تستقيم ، إن صحت عنه .