محمد بن جرير الطبري

262

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

قال أبو جعفر : وأولى ما روينا في تأويل قوله : ( إلا أماني ) ، بالحق ، وأشبهه بالصواب ، الذي قاله ابن عباس - الذي رواه عنه الضحاك - وقول مجاهد : إن " الأميين " الذين وصفهم الله بما وصفهم به في هذه الآية ، أنهم لا يفقهون من الكتاب الذي أنزله الله على موسى شيئا ، ولكنهم يتخرصون الكذب ويتقولون الأباطيل كذبا وزورا . ( 1 ) * * * و " التمني " في هذا الموضع ، هو تخلق الكذب وتخرصه وافتعاله . يقال منه : " تمنيت كذا " ، إذا افتعلته وتخرصته . ومنه الخبر الذي روي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه : " ما تغنيت ولا تمنيت " ، ( 2 ) يعني بقوله : " ما تمنيت " ، ما تخرصت الباطل ، ولا اختلقت الكذب والإفك . * * * والذي يدل على صحة ما قلنا في ذلك - وأنه أولى بتأويل قوله : ( إلا أماني ) من غيره من الأقوال - قول الله جل ثناؤه : ( وإن هم إلا يظنون ) . فأخبر عنهم جل ثناؤه أنهم يتمنون ما يتمنون من الأكاذيب ، ظنا منهم لا يقينا . ولو كان معني ذلك أنهم " يتلونه " ، لم يكونوا ظانين ، وكذلك لو كان معناه : " يشتهونه " . لأن الذي يتلوه ، إذا تدبره علمه . ولا يستحق - الذي يتلو كتابا قرأه ، وإن لم يتدبره بتركه التدبر أن يقال : هو ظان لما يتلو ، إلا أن يكون شاكا في نفس ما يتلوه ، لا يدري أحق هو أم باطل . ولم يكن القوم - الذين كانوا يتلون التوراة على عصر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود - فيما بلغنا -

--> ( 1 ) في المطبوعة : " وأنهم لا يفقهون " بزيادة الواو ، وهو خطأ لا يستقيم ، والصواب ما أثبته من ابن كثير 1 : 216 . ( 2 ) في الفائق 1 : 163 عن عثمان رضي الله عنه : " قد اختبأت عند الله خصالا : إني لرابع الإسلام ، وزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته ثم ابنته ، وبايعته بيدي هذه اليمنى فما مسست بها ذكرى ، وما تغنيت ولا تمنيت ، ولا شربت خمرا في جاهلية ولا إسلام " . وروى الطبري في تاريخه في خبر مقتله رضي الله عنه 5 : 130 ، أن الرجل الذي انتدب لقتله دخل عليه فقال له : " اخلعها وندعك . فقال : ويحك ! ما كشفت امرأة في جاهلية ولا إسلام ، ولا تغنيت ولا تمنيت ، ولا وضعت يميني على عورتي منذ بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولست خالعا قميصا كسانيه الله عز وجل " .