محمد بن جرير الطبري

254

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

عليه وسلم وأمره ، فإذا رجعوا رجعوا إلى الكفر . فلما أخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بهم ، قطع ذلك عنهم فلم يكونوا يدخلون . وكان المؤمنون الذين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يظنون أنهم مؤمنون ، فيقولون لهم : أليس قد قال الله لكم كذا وكذا ؟ فيقولون : بلى ! فإذا رجعوا إلى قومهم [ يعني الرؤساء ] - قالوا : أتحدثونهم بما فتح الله عليكم " ، الآية . ( 1 ) * * * وأصل " الفتح " في كلام العرب : النصر والقضاء ، والحكم . يقال منه : " اللهم افتح بيني وبين فلان " ، أي احكم بيني وبينه ، ومنه قول الشاعر : ألا أبلغ بني عُصْمٍ رسولا . . . بأني عن فُتاحَتكم غني ( 2 ) قال أبو جعفر : قال : ويقال للقاضي : " الفتاح " ( 3 ) ومنه قول الله عز وجل : ( رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ) [ الأعراف : 89 ] أي احكم بيننا وبينهم . * * * فإذا كان معنى الفتح ما وصفنا ، تبين أن معنى قوله : ( قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم ) إنما هو أتحدثونهم بما حكم الله به عليكم ، وقضاه فيكم ؟ ومن حكمه جل ثناؤه عليهم ما أخذ به ميثاقهم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وبما جاء به في التوراة . ومن قضائه فيهم أن جعل منهم القردة والخنازير ، وغير ذلك من أحكامه وقضائه فيهم . وكل ذلك كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين به ، حجةً على المكذبين من اليهود

--> ( 1 ) الأثر : 1349 في ابن كثير 1 : 213 - 214 ، والزيادة بين القوسين منه . ( 2 ) ينسب للأسعر الجعفي ، ومحمد بن حمران بن أبي حمران . انظر تعليق الراجكوتي في سمط اللآلئ : 927 . ( 3 ) أمالي القالي 2 : 281 واللسان ( فتح ) ( رسل ) ، وغيرهما ، وبنو عصم ، هم رهط عمرو ابن معد يكرب الزبيدي . وقد اختلفت روايات البيت اختلافا شديدا ، وليس هذا مكان تحقيقها ، لطولها .