محمد بن جرير الطبري

173

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ) . قال : مسخت قلوبهم ، ولم يمسخوا قردة ، وإنما هو مثل ضربه الله لهم ، كمثل الحمار يحمل أسفارا . * * * قال أبو جعفر : وهذا القول الذي قاله مجاهد ، قول لظاهر ما دل عليه كتاب الله مخالف . ( 1 ) وذلك أن الله أخبر في كتابه أنه جعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت ، ( 2 ) كما أخبر عنهم أنهم قالوا لنبيهم : ( أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً ) [ النساء : 153 ] ، وأن الله تعالى ذكره أصعقهم عند مسألتهم ذلك ربهم ، وأنهم عبدوا العجل ، فجعل توبتهم قتل أنفسهم ، وأنهم أمروا بدخول الأرض المقدسة فقالوا لنبيهم : ( اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) [ المائدة : 24 ] فابتلاهم بالتيه . فسواء قائل قال : ( 3 ) هم لم يمسخهم قردة ، وقد أخبر جل ذكره أنه جعل منهم قردة وخنازير - وآخر قال : لم يكن شيء مما أخبر الله عن بني إسرائيل أنه كان منهم - من الخلاف على أنبيائهم ، والنكال والعقوبات التي أحلها الله بهم . ( 4 ) ومن أنكر شيئا من ذلك وأقر بآخر منه ، سئل البرهان على قوله ، وعورض - فيما أنكر من ذلك - بما أقر به ، ثم يسأل الفرق من خبر مستفيض أو أثر صحيح . هذا مع خلاف قول مجاهد قول جميع الحجة التي لا يجوز عليها الخطأ والكذب فيما نقلته مجمعة عليه . وكفى دليلا على فساد قول ، إجماعها على تخطئته . * * *

--> ( 1 ) انظر معنى " ظاهر " فيما سلف 2 : 15 والمراجع . ( 2 ) سورة المائدة : 60 . ( 3 ) في المطبوعة : " فسواء قال قائل " ، وسياق العبارة يقتضي التقديم . لقوله " وآخر قال " . ( 4 ) في المطبوعة : " والعقوبات والأنكال " ، ليس صوابا . والنكال : العذاب الشديد يكون عبرة للناس حتى ينكلوا عن شيء ويخافوه . وأما " الأنكال " فجمع نكل : وهو القيد .