محمد بن جرير الطبري

70

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وكل هذه الأخبار التي ذكرناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، متقاربة المعاني ، لأن قول القائل : فلان مقيم على باب من أبواب هذا الأمر ، وفلان مقيم على وَجْه من وجوه هذا الأمر ، وفلان مُقيمٌ على حرفٍ من هذا الأمر - سواءٌ . ألا ترى أن الله جَلّ ثناؤه وصف قوماٌ عَبدوه على وجه من وجُوه العبادات ، فأخبر عنهم أنهم عبدوه على حرف فقال : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ } [ سورة الحج : 11 ] ، يعني أنهم عبدوه على وجه الشك ، لا على اليقين والتسليم لأمره . فكذلك روايةُ من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " نزل القرآن من سبعة أبواب " و " نزل على سبعة أحرف " سواءٌ ، معناهما مؤتلف ، وتأويلهما غير مُختلف في هذا الوجه . ومعنى ذلك كله ، الخبرُ منه صلى الله عليه وسلم عما خصه الله به وأمتَه ، من الفضيلة والكرامة التي لم يؤتها أحدًا في تنزيله . وذلك أنّ كل كتاب تقدَّم كتابَنا نزولُه على نبيّ من أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم ، فإنما نزل بلسان واحد ، متى حُوِّل إلى غير اللسان الذي نزل به ، كان ذلك له ترجمة وتفسيرًا ( 1 ) لا تلاوةً له على ما أنزلهُ الله . وأنزل كتابنا بألسُن سبعة ، بأيِّ تلك الألسن السَّبعة تلاه التالي ، كان لهُ تاليًا على ما أنزله الله لا مترجِمًا ولا مفِّسرًا ، حتى يحوِّله عن تلك الألسن السبعة إلى غيرها ، فيصيرَ فاعلُ ذلك حينئذٍ - إذا أصاب معناه - مُترجمًا له . كما كان التالي

--> ( 1 ) يستعمل الطبري " الترجمة " وما يشتق منها بمعنى البيان والتفسير والشرح ، لا بمعنى نقل الكلام من لسان إلى لسان يباينه . والترجمة التي يشير إليها هنا هي ما مضى في خبر الأحرف التي نزل بها القرآن من مثل قولك " هلم . وأقبل " فإذا كان الكتاب الأول قد نزل وفيه ، " هلم " كان القارئ إذا قرأ " أقبل " ، وهي بمعناها ، مفسرًا للكتاب لا تاليًا له . انظر ما سيأتي : 32 ، 57 ، 67 ، 75 من مطبوعة بولاق .