محمد بن جرير الطبري
71
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
لبعض الكتب التي أنزلها الله بلسان واحد - إذا تلاه بغير اللسان الذي نزل به - له مُترجِمًا ، لا تاليًا على ما أنزله الله به . فذلك معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : كانَ الكتابُ الأول ، نزل على حَرفٍ واحدٍ ، ونزل القرآن على سبعة أحرف . وأما معنى قوله صلى الله عليه وسلم : " إن الكتاب الأول نزل من باب واحد ، ونزل القرآن من سبعة أبواب " ، فإنه صلى الله عليه وسلم عنى بقوله : " نزل الكتاب الأول من باب واحد " ، والله أعلم ، ما نزل من كتب الله على من أنزله من أنبيائه ، خاليًا من الحدود والأحكام والحلال والحرام ، كزبور داود ، الذي إنما هو تذكير ومواعظ ، وإنجيل عيسى ، الذي هو تمجيدٌ ومحامد وحضٌّ على الصفح والإعراض - دون غيرها من الأحكام والشرائع - وما أشبه ذلك من الكتب التي نزلت ببعض المعاني السبعة التي يحوي جميعَها كتابُنا ، الذي خَصَّ الله به نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم وأمَّته . فلم يكن المتعبَّدون بإقامته يجدون لِرضَى الله تعالى ذكره مطلبًا ينالون به الجنة ، ويستوجبون به منه القُرْبَة ، إلا من الوجه الواحد الذي أنزل به كتابهُم ، وذلك هو الباب الواحد من أبواب الجنة الذي نزل منه ذلك الكتاب . وخص الله نبيَّنا محمدًا صلى الله عليه وسلم وأمَّتَه ، بأن أنزل عليهم كتابَه على أوجه سبعةٍ من الوجوه التي ينالون بها رضوان الله ، ويدركون بها الفوز بالجنة ، إذا أقاموها ( 1 ) فكُلّ وجه من أوجُهه السبعة بابٌ من أبواب الجنة التي نزل منها القرآن . لأن العامل بكل وجه من أوجُهه السبعة ، عاملٌ في باب من أبواب الجنة ، وطالب من قِبَله الفوز بها . والعملُ بما أمر الله جل ذكره في كتابه ، بابٌ من أبواب الجنة ، وتركُ ما نهى الله عنه فيه ؛ بابٌ آخر ثانٍ من أبوابها ؛ وتحليلُ ما أحلّ الله فيه ، بابٌ ثالث من أبوابها ؛ وتحريمُ ما حرَّم الله فيه ، باب رابعٌ من أبوابها ؛
--> ( 1 ) في المطبوعة : " فلكل وجه من أوجهه السبعة باب من أبواب الجنة الذي نزل منه القرآن " . وهو تغيير لا جدوى فيه .