محمد بن جرير الطبري

59

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

- لعلة من العلل أوجبتْ عليها الثباتَ على حرف واحد - قراءتَهُ بحرف واحدٍ ، ورفْضَ القراءة بالأحرف الستة الباقية ، ولم تحْظُرْ قراءته بجميع حروفه على قارئه ، بما أذن له في قراءته به . فإن قال : وما العلة التي أوجبت عليها الثباتَ على حرف واحد دون سائر الأحرف الستة الباقية ؟ 59 - قيل : حدثنا أحمد بن عَبْدةَ الضَّبي ، قال : حدثنا عبد العزيز بن محمد الدّرَاوَرْدي ، عن عُمارة بن غزِيَّة ، عن ابن شهاب ، عن خارجة بن زيد ابن ثابت ، عن أبيه زيد ، قال : لما قُتل أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم باليمامة ، دخل عمرُ بن الخطاب على أبي بكر رحمه الله فقال : إنّ أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم باليمامة تهافتوا تهافتَ الفَراش في النار ، وإني أخشى أن لا يشهدوا موطنًا إلا فعلوا ذلك حتى يُقتَلوا - وهمْ حملةُ القرآن - فيضيعَ القرآن ويُنسَى . فلو جمعتَه وكتبتَه ! فنفر منها أبو بكر وقال : أفعل ما لم يفعلْ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ! فتراجعا في ذلك . ثم أرسل أبو بكر إلى زيد بن ثابت ، قال زيد : فدخلت عليه وعُمر مُحْزَئِلٌ ( 1 ) فقال أبو بكر : إن هذا قد دَعاني إلى أمر فأبيتُ عليه ، وأنت كاتبُ الوحي . فإنْ تكن معه اتبعتكما ، وإن توافِقْني لا أفعل . قال : فاقتصَّ أبو بكر قولَ عمر ، وعمر ساكت ، فنفرت من ذلك وقلت : نفعلُ ما لم يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ! إلى أن قال عمر كلمة : " وما عليكما لو فعلتما ذلك ؟ " قال : فذهبنا ننظر ، فقلنا : لا شيء والله ! ما علينا في ذلك شيء ! قال زيد : فأمرني أبو بكر فكتبته في قطَع الأدَم وكِسَرِ الأكتاف والعُسُب ( 2 ) .

--> ( 1 ) احزأل الرجل : اجتمع وتحفز ورفع صدره كالمتهيء لأمر ، فهو محزئل : منضم بعضه إلى بعض ، جالس جلسة المستوفز . ( 2 ) الأدم جمع أديم : وهو الجلد المدبوغ ، كانوا يكتبون فيه . والكسر جمع كسرة ( بكسر فسكون ) : وهي القطعة المكسورة من الشيء . والأكتاف جمع كتف : وهو عظم عريض في أصل كتف الحيوان من الناس والدواب ، كانوا يكتبون فيه لقلة القراطيس عندهم يومئذ . والعسب جمع عسيب وهو : جريد النخل إذا نحى عنه خوصه .