محمد بن جرير الطبري
60
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
فلما هلك أبو بكر وكانَ عُمر ( 1 ) كتبَ ذلك في صحيفة واحدةٍ ، فكانت عنده . فلما هلك ، كانت الصحيفةُ عند حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم . ثم إن حذيفة بن اليمان قدِم من غزوة كان غزاها بِمَرْج أرْمينِية ( 2 ) فلم يدخل بيته حتى أتى عثمان بن عفان فقال : " يا أمير المؤمنين : أدرِكِ الناس ! فقال عثمان : " وما ذاك ؟ " قال غزوت مَرْج أرمينية ، فحضرها أهلُ العراق وأهلُ الشام ، فإذا أهل الشام يقرءون بقراءة أبيّ بن كعب ، فيأتون بما لم يسمع أهلُ العراق ، فتكفرهم أهلُ العراق . وإذا أهل العراق يقرءون بقراءة ابن مسعود ، فيأتون بما لم يسمع به أهل الشام ، فتكفِّرهم أهلُ الشام . قال زيد : فأمرني عثمان بن عفان أكتبُ له مُصْحفًا ، وقال : إنّي مدخلٌ معك رجلا لبيبًا فصيحًا ، فما اجتمعتما عليه فاكتباه ، وما اختلفتما فيه فارفعاه إليّ . فجعل معه أبان بن سعيد بن العاص ، قال : فلما بلغنا { إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ } [ سورة البقرة : 248 ] قال : زيد فقلت : " التابوه " وقال أبان بن سعيد : " التابوت " ، فرفعنا ذلك إلى عثمان فكتب : " التابوت " قال : فلما فرغتُ عرضته عَرْضةً ، فلم أجد فيه هذه الآية : { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا } [ سورة الأحزاب : 23 ] قال : فاستعرضتُ المهاجرين أسألهم عنها ، فلم أجدْها عند أحد منهم ، ثم استعرضتُ الأنصارَ أسألهم عنها ، فلم أجدها عند أحد منهم ، ، حتى وجدُتها عند خُزيمة بن ثابت ، فكتبتها ، ثم عرَضته عَرضَةً أخرى ، فلم أجد فيه هاتين الآيتين : { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ
--> ( 1 ) قوله " وكان عمر " ، أي ولي الأمر من بعده . وقال ابن حجر في فتح الباري 9 : 13 وذكر جمع القرآن في الورق والصحف على عهد أبي بكر ، ثم قال : " هذا كله أصح مما وقع في رواية عمارة بن غزية . . " ( 2 ) في المطبوعة " في فرج أرمينية " ، وكذلك التي تليها . والمرج : أرض واسعة كثيرة النبت تمرج فيها الدواب ، أي تذهب وتجيء . وقد أضيف " مرج " إلى كثير من المواضع والبلاد . وأرض أرمينية واسعة خصيبة . وذكر ابن حجر في الفتح 9 : 14 رواية " فتح أرمينية " و " فرج . . " ولم يذكر " مرج " ، وذكرها أبو عمرو الداني في كتابه " المقنع " : 4 قال : " وكانوا يقاتلون على مرج أرمينية " .