محمد بن جرير الطبري

549

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وصار الفعل الذي بعده بالنون الخفيفة أو الثقيلة ، وقد يكون بغير نون . وإنما حسنت فيه النون لمّا دخلته " ما " ، لأن " ما " نفيٌ ، فهي مما ليس بواجب ، وهي الحرف الذي ينفي الواجب ، فحسنت فيه النون ، نحو قولهم : " بعينٍ مَّا أرَينَّك " ، حين أدخلت فيها " ما " حسنت النون فيما ها هنا . وقد أنكرت جماعة من أهل العربية دعوى قائل هذه المقالة ( 1 ) : أن " ما " التي مع " بعينٍ ما أرَينَّك " بمعنى الجحد ، وزعموا أن ذلك بمعنى التوكيد للكلام . وقال آخرون : بل هو حشو في الكلام ، ومعناها الحذف ، وإنما معنى الكلام : " بعَين أراك " ، وغير جائز أن يُجْعل مع الاختلاف فيه أصلا يُقاس عليه غيره . * * * القول في تأويل قوله تعالى ذكره : { مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 38 ) } قال أبو جعفر : والهدى ، في هذا الموضع ، البيان والرشاد . كما : - 794 - حدثنا المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا آدم العسقلاني قال : حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية ، في قوله : " فإما يأتينكم مني هدًى " قال : الهدى ، الأنبياءُ والرسل والبيان . ( 2 ) . فإن كان ما قال أبو العالية في ذلك كما قال ، فالخطاب بقوله : " اهبطوا " ، وإن كان لآدم وزوجته ، فيجب أن يكون مرادًا به آدمُ وزوجتُه وذريتُهما . فيكون ذلك حينئذ نظير قوله : ( فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) [ سورة فصلت : 11 ] ، بمعنى أتينا بما فينا من الخلق طائعين ، ونظيرَ قوله في قراءة

--> ( 1 ) في المطبوعة : " وقد أنكر جماعة . . . دعوى قائلي . . . " . ( 2 ) الأثر : 794 - في ابن كثير 1 : 148 ، والدر المنثور 1 : 63 ، والشوكاني 1 : 58 .